دين أجداد الرّسول الأكرم

بواسطة Shamkhani
41 الآراء

شبهة: هل كان أجداد الرّسول الأكرم مثل عبدالله وعبدالمطّلب مؤمنين وموحّدين؟ ماذا كان دينهم؟

يعتقد البعض أنّ والدي وأجداد رسول الله (ص) ولدوا في زمن الجاهليّة ورحلوا عن هذه الدنيا في نفس تلك المرحلة، لذلك هم مشركون. هؤلاء البعض يستندون في إثبات ادّعائهم هذا إلى الآية ١١٣ من سورة التّوبة[1] فيقولون أنّ الله يمنع الرّسول عن الدعاء للمشركين وإن كانوا من أقاربه، ويمنع الدّعاء لأجداد ووالدي النّبيّ الأعظم (ص)؛ لكن هل كان أجداد الرّسول من المشركين؟ جميع الشّيعة وفرقة من أهل السنّة يعتقدون أنّ والدي وأجداد الرّسول الأكرم وأجداد جميع الأنبياء لم يكن أحداً منهم من المشركين، بل كانوا جميعاً موحّدين يعبدون الله عزّوجل.

ويستدلّون على ذلك بكلام الله عزّوجل في الآيتين ٢١٨ و٢١٩ من سورة الشّعراء: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (۲۱۸) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)}. يقول الشيخ المفيد في الصفحة ١٣٩ من كتاب تصحيح الاعتقادات الإمامية حول هذه الآية: ”المقصود من هذه الآية هو تنقّل الرّسول الأكرم في أصلاب الذين كانوا من الموحّدين.“

كما يقول فخر الرّازي في الجزء الثالث عشر من التفسير الكبير، الصفحة ٣٣ حول مضمون هذه الآية: ومما يدُلّ أيضاً على أن أحداً من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام: لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات. وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} وذلك يوجب أن يقال إن أحداً من أجداده ما كان من المشركين.

كما ورد في الآية ٣٥ من سورة إبراهيم أن {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. عندما نقرن المعنى بـ“هذا البلد“ الواردة في الآية، ندرك أنّ مقصود النّبي إبراهيم من كلمة ”بني“، كان أبناء إسماعيل وآباء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهذا الدّعاء لا يشمل فقط أبناء إسماعيل.

وقد ورد في إحدى الروايات: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنا دَعْوَةُ أبي إبراهيم. قلنا: يا رسول الله وكيف صِرْتَ دعوة أبيك إبراهيم. قال: أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى إبراهيم إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً فاستَخَفَّ إبراهيم الفَرَحُ قال: يا رَبِّ ومِنْ ذُرِّيَّتِي أئمّة مِثْلي فأوحى الله إليه أن: يا إبراهيم إني لا أُعطيك عهدا لا أفي لك به. قال يا رب ما العهد الذي لا تفي لي به، قال: لا أعطيك لظالم من ذُرِّيَّتك. قال: إبراهيم عندها فَاجْنُبْنِي وبَنِيَّ أن نَعبُد الأصْنامَ رَبَّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ. قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: فَانْتَهَتِ الدَّعوةُ إلَيَّ وإلى عَلِيّ لم يَسْجُدْ أحدٌ منّا لِصَنَم قطُّ فاتَّخَذني الله نَبيّاً واتَّخذ عَليّاً وَصِيّاً. (مناقب علي بن أبي طالب (ع) – إبن المغازلي – ص 229-230)

يقول الرّسول الأكرم في هذه الرواية: استمرّ دعاء إبراهيم هكذا إلى أن انتهى بي وبأخي أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم نكن نحن من عبدة الأصنام ولو للحظة واحدة؛ كما دعا النّبي إبراهيم الله لأبنائه (أبناء إسماعيل).

وفي تفسير العياشي لهذه الآية تُنقل رواية عن الإمام الصّادق (عليه السلام) مضمونها أنّ بني هاشم كانوا مسلمين ولم يكونوا من عبدة الأصنام. (تفسیر العیاشي ج1 ص 61)

كما ورد في الآية ٢٨ من سورة الزّخرف التي تتحدّث حول قصّة النّبي إبراهيم: « وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.»

ويقول الطّبري في تفسيره حول هذه الآية: عن قتادة: وجعلها كلمة باقية في عقبه قال التوحيد والاخلاص ولا يزال في ذريته من يوحد الله ويعبده. (جامع البيان – محمد بن جرير الطبري – ج 21 ص 589)

يقول الشّيخ الطّوسي أيضاً في تفسير مجمع البيان ج٩ ص٧٦ حول هذه الآية: « وجعلها كلمة باقية في عقبه أي جعل كلمة التوحيد وهي قول لا إله إلا الله كلمة باقية في ذرية إبراهيم ونسله فلم يزل فيهم من يقولها.

من الناحية الروائيّة، توجد رواياتٌ تدلّ على كون أجداد الرّسول الأكرم من الموحّدين، ومنها: جاء في كتاب المسترشد في الإمامة: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم يمسني سفاح أهل الجاهلية ولم أزل أنقلب من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات فليس لأحد أن يدعي الطهارة الا من جرى مع رسول الله إلى عبد المطلب الذي هو جده وجد أهل بيته. (المسترشد محمد جریر الطّبري ص 581- الكافي ج1 ص 442- أمالي الشیخ الطوسي ص 183) يقول الشيخ الطّوسي في تصحيح هذه الرّواية: وهذا خبر لا خلاف في صحته (تفسیر التبیان ج4 ص 175)

وقد وردت نفس هذه الرّواية في كتب أهل السنّة أيضاً: ومما يدل على أن آباء محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا مشركين قوله عليه الصلاة والسلام: لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات وقال تعالى إنما المشركون نجس فوجب أن لا يكون أحد من أجداده صلّى الله عليه وسلّم مشركاً. (تفسیر فخر الرازي ج 13 ص 39- تفسیر الآلوسي ج 4 ص 184- الدر المنثور – السیوطي ج4 ص 330)

تدلّ كلمة الطّاهرين والطّاهرات في هذه الأحاديث على أنّ آباء وأمّهات الرّسول (صلّى الله عليه وآله) كانوا موحّدين ويعبدون الله؛ لأنّ المشرك -كما ورد في القرآن الكريم- ليس طاهراً: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التّوبة/٢٨)؛ إذاً لقد كان أجداد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الموحّدين.

وفي الآية ١١٣ من سورة التوبة منع الله رسوله من طلب المغفرة للمشركين لكن ورد في روايات متعدّدة أنّ رسول الله كان يطلب المغفرة لأجداده أو يتحدّث حول شفاعتهم في الآخرة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني مستوهب من ربي أربعة وهو واهبهم لي إن شاء الله تعالى، آمنة بنت وهب، وعبد الله بن عبد المطلب، وأبو طالب بن عبد المطلب ورجل من الأنصار جرت بيني وبينه ملحة (قرب الإسناد – الحميري القمي – ص ٥٦)

يعلّق العلّامة المجلسي على هذه الرواية بالقول: وهذا الخبر يدل على إيمان هؤلاء فإن النبي صلى الله عليه وآله لا يستوهب ولا يشفع لكافر، وقد نهى الله عن موادة الكفار والشفاعة لهم والدعاء لهم كما دلت عليه الآيات الكثيرة (بحار ج 15 ص 108).

ونظراً لما ورد في الآية الثالثة من سورة النّجم[2] فإنّ الرّسول معصوم في كلامه، إذاً إنّ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه سوف يشفع لوالديه وعمّه أبي طالب يُثبت أنّهم كانوا موحّدين.

ومع التمعّن في الآيات وروايات الشيعة والسنّة تمّ إثبات أنّ أجداد الرّسول الأكرم (ص) كانوا موحّدين ويعبدون الله الواحد الأحد، لكن يُطرح هنا سؤال، ماذا كان دين أجداد النّبي (ص) الذين كانوا يعيشون قبل الإسلام؟ ورد في تاريخ اليعقوبي: فكانت قريش تقول عبد المطلب إبراهيم الثاني – أي أنّ عبدالمطّلب جدّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان ملقّباً بلقب إبراهيم الثاني بسبب عمله بالسنّة الإبراهيميّة الحنيفة. (تاریخ الیعقوبي ج٢ ص ١١).

فالنتيجة إذاً هي أنّ أجداد رسول الله محمّد (ص) كانوا موحّدين ويعيشون على دين جدّهم إبراهيم (عليه السلام).


[1] – مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى

[2] – وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‌

محتوى مشابه

اترك تعليقا