التبرّك بتراب قبر وأضرحة قبور الأنبياء والأولياء

بواسطة Shamkhani
27 الآراء
التبرّك بتراب قبر وأضرحة قبور الأنبياء والأولياء

شبهة: ما هو رأي علماء المذاهب الأربعة حول التبرّك أو مسّ منبر وقبر النّبي الأكرم (ص) أو قبور الصّالحين؟

من القضايا التي تشير الوهابية عبرها بإصبع الاتهام نحو الشّيعة وتسعى بواسطتها للتشكيك بالتشيّع هي التبرّك بتراب قبر وأضرحة قبور الأنبياء والأولياء. يقول الوهّابيون أنّ التبرّك بتراب قبر وأضرحة قبور الأنبياء شرك. يعتبر ابن تيميّة أنّ التوسّل والتبرّك بآثار الصّالحين شركٌ وحرام. (زيارة القبور، ص٣٨)

تمثّل نظرة علماء مذاهب أهل السنّة لهذه المسألة أفضل ردّ على شبهة الوهابيّة هذه لإثبات أنّ التبرّك بقبور أولياء الله ليس بدعة شيعيّة. في واقع الأمر ينبغي معرفة أنّ علماء المذاهب الأربعة لديهم نظرة إيجابيّة فيما يخصّ التبرّك أو مسّ منبر وقبر الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أو قبور الصّالحين. كما أنّ العلّامة الأميني يقول بعد سنوات من البحث: إنّني لا أعلم بوجود أحدٍ من كبار شخصيّات المذاهب الأربعة الذين يعتني المسلمون بآرائهم ونظريّاتهم، يعتقد بحرمة مثل هذا العمل، وإنّ البعض الذين نهوا عن هذا الأمر كان نهيهم تنزيهيّاً لا تحريميّاً وهم يقولون بكراهة هذا الأمر، ظنّاً منهم أنّ الاقتراب من القبر النبوي الشريف مخالفٌ للأدب. من هنا، فهم يفضّلون أن يؤدّى الاحترام عن بُعد. (عبدالحسين الأميني، الغدير، ج٥، ص١٤٦)

لذلك فإنّ علماء جميع المذاهب، حتى أحمد بن حنبل، رئيس المذهب الحنبلي، الذي يعتبر الوهابيون أنفسهم من أتباع مذهبه، يقولون بجواز هذا الأمر. ويقول عبدالله ابن أحمد بن حنبل: سألت والدي: ما حكم مسّ منبر رسول الله والتبرّك به أو مسّه وتقبيله أو مسّ قبره الشريف وتقبيله بقصد الثواب؟ قال والدي: لا يوجد أيّ إشكالٍ في ذلك. (وفاء الوفاء، ج٤، ص٢١٧)

الدّليل على جواز مثل هذه الأعمال هو سيرة أهل بيت وأصحاب نبيّ الإسلام (ص) طوال حياته وبعد رحيله. ففي كتب الصحاح والمسانيد، توجد روايات عديدة حول تبرّك أصحاب الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بآثار النّبي (ص)، مثل لباسه، وماء وضوءه، ووعاء الماء الخاصّ به وأمثال هذه الأشياء، وهذا إنّما يدلّ على كون هذا الأمر مقبولاً. على سبيل المثال ينقل البخاري في صحيحه في رواية طويلة تشرح بعض صفات الرّسول الأكرم وأصحابه ما مضمونه أن كلّما كان رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله) يتوضأ، كان يوشك المسلمون على أن يتقاتلوا من أجل الحصول على ماء وضوءه من أجل التبرّك.[1] (صحیح البخاري، ج١، ص ٤٩، ح ١٨٩)

يقول النووي أيضاً: رُوي عن أمّ ثابت أنّها قالت:دخل عليّ رسول الله (ص) فشرب من قربةٍ معلّقة قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته.

كما يروي الترمذي هذا الحديث فيقول: ”حديثٌ صحيحٌ وحسن.“ ويقول النووي: وإنّما قطعتها؛ لتحفظ موضع فم رسول الله (ص). (يحيي بن شرف الدين نووي شافعي، رياض الصالحين، ص251، باب110، ح764)

كما ورد أن: كانَ رَسولُ الله صلى الله عليه وآله اِذَا صَلّى الغَداهَ جاءَ خَدمُ الْمدينةِ بِآنيَتِهم فيها الماء فَما يُوتى بِاناءٍ اِلاّ غَمسَ يَدَه فِيها فَرُّبها جاوُءه في الغداهِ الْباردةِ فَيغمَسُ يَدَه فيها. (صحيح مسلم، کتاب الفضائل، باب (19) قرب النبي، ص 1812، ح 2324؛ مسند احمد، ج19، ص 393)

وبعد رحيل رسول الله (ص) أيضاً كان المسلمون يتبرّكون بآثاره صلوات الله عليه. فقد نُقل في مصادر أهل السنّة عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: بعد دفن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حضرت السيّدة فاطمة (سلام الله عليها) عند القبر وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعتها على كلتا عينيها وبكت ثمّ قالت: ماذا على من شمّ تربة أحمد* * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا/ صبت علىّ مصائب لو أنها* * * صبت على الايام صرن لياليا. (حسين ديار البکري، تاريخ الخميس، ج2، ص173؛ عبدالله بن سعيد عبادي، منتهى السئول على وسائل الوصول، ج4، ص317)

كما ورد أنّ عبدالله بن عمر كان عند الزيارة يلمس القبر بيده وأنّ بلال كان يضع وجهه على تراب قبر رسول الإسلام (ص). ولدينا أيضاً رواياتٌ تقول بأنّ تربة المدينة، شفاءٌ لكلّ داء:

ويقول الزركشي: « ينبغي أن يستثنى من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة (رضي الله عنه)؛ لإطباق السلف و الخلف على نقلها للتداوي من الصداع.»(وفاء الوفاء، ج1، ص 60) كما ورد عن رسول الله (ص): «غُبارُ الْمَدِينَةِ يُطْفِي الْجذام» ( وفاء الوفاء ج1 ص 60،کنز العمال ج 12، ص 236)  أو نُقل عن ابن أثير عن النّبي الأكرم (ص): «وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ في غُبارِها شِفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ.» (جامع الاصول ابن اثیر، ج 9، ص 334)

بغضّ النظر عن التأييد النظري لأهل السنّة، فإنّه وفق النماذج السلوكيّة المتوفرة وسلوكيّاتهم، كان أهل السنّة يتبرّكون أيضاً بقبور عظمائهم. يقول شمس الدين الذهبي الشافعي، من علماء علم الرجال: كنت ممّن حفر لسعد قبره بالبقيع، فكان يفوح علينا المسك كلّما حفرنا.( سير اعلام النبلاء، ج1، ص289)

وقد ثبت من الناحية التاريخيّة أيضاً أنّ الناس كانوا يأخذون قبضة من التربة الطاهرة لقبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وجناب حمزة، بل من كلّ المدينة المنوّرة للتبرّك.

لذلك فإنّ المسلمين وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) يقومون احتراماً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين وتعبيراً عن حبّهم الذي تشوبه شائبه لهم بتقبيل أضرحتهم الطاهرة أو لمس البوابة أو الحائط وهذا لا دليل له سوى حبّهم للرسول الأكرم وعترته الطاهرة. الأمر أشبه بتقبيل المصحف من قبل أيّ مسلم، وهو تعبيرٌ عن الاحترام للقرآن، فمجلّد القرآن ليس القرآن نفسه. قد يكون مصنوعاً من جلدٍ حيواني، لكن القيمة هي للمحتوى، والتقبيل يكون بهذه النية. كما أنّ تقبيل الضريح والباب والحائط في الحرم هو أيضاً بهذه النية والتقبيل يأتي تحت عنوان احترام من هو نائمٌ داخل القبر، لأنّهم يعتبرونه عبدالله الصالح وهو يستحقّ الاحترام. فالمسلمون إضافة لإبرازهم المحبّة والمودّة لأولياء الله، يعتبرون آثارهم كأنفسهم، من خلق الله ويرون أنّها تابعة ومحتاجة لله في الأحوال كلّها؛ والعجب كلّ العجب فيمن يقول أنّ هذا الاعتقاد نابعٌ من الشرك والبدعة. كيف يمكن أن يتمّ اتهام المسلمين وبشكل خاصّ أتباع أهل بيت رسول الإسلام (ص)  اليوم -ومع توفّر سيرة الصحابة- من قبل الوهابيّة بالشرك والبدعة بشكل كبير، بينما تثبت نظريّة سائر فرق أهل السنّة وجود مثل هذه السنّة.

download

[1] وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ

محتوى مشابه

اترك تعليقا