الظهور تجسيد للغدير

بواسطة Shamkhani
49 الآراء

يعد عصر الظهور افقاً لا حدود له يعجز بنو البشر عن تصوره، إذ تنزل فيه الرحمة بطريقة لم تعهدها الإنسانية حتى الآن، كما أن كمال التعالي والسمو في هذه المرحلة يتجاوز ما وصله العقل البشري حتى الآن. بناء عليه فإن كل الكلام يدور حول صورة لجنة سمعنا بها وآمنا بها من دون أن نراها،  وأي صورة نبنيها في أذهاننا ستكون رؤية خضراء للأماني التي لن نحس بها قبل أن تتحقق.

الغدير من بداية الخلق حتى الظهور ثم القيامة

بدأ العالم بالغدير واستمر به وسينتهي به أيضاً، فهو حب وولاية محمد وآل محمد عليهم السلام، لذلك كان إبلاغ الغدير أهم ما في رسالة الأنبياء.

فالغدير هو استمرار لحلقة الوصل بين الإنسان والخالق، وهو ما احتجاه الإنسان من اليوم الأول وسيبقى بحاجة لذلك حتى يوم القيامة. الغدير هو تلبية لبحث البشرية عن المُنقذ والمُنجي، وتلبية لدعاء الإنسان: «اِهدِنَا الصِّراطَ المُستَقیمَ». فالإنسان في الحقيقة يسير على طريق الكمال وفقاً لخطة إلهية مكتوبة تمت في الغدير حيث تم الإعلان عن الإمام الهادي في هذه الخطة.

ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ثلاثة مصطلحات حول البعثة، الغدير والظهور وهي مصطلحات ترسم هذا الطريق بوضوح، حيث اعتبر البعثة منة من الله إذ يقول: «لَقَد مَنَّ اللَّهُ عَلَی المؤمنینَ اِذ بَعَثَ فیهِم رَسولاً(1)»؛ ووصف الغدير بأنه كمال الدين حيث قال: “«الیَومَ اَکمَلتُ لَکُم دینَکُم»(2)؛ ووصف الظهور بأنه إشعاع النور الإلهي بقوله تعالى: «وَ اَشرَقَتِ الاَرضُ بِنورِ ربِّها»(3)
مضى هذا التيار منذ بداية الخلق وحتى بعثة الرسول، ومن البعثة النبوية إلى الغدير حتى وصل إلى مرحلة ما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فالغدير هو قاعدة داعمة سيظهر تأثيرها في زمن الظهور، حيث قال سبحانه وتعالى: «کَتَبَ اللَّهُ َلاَغلِبَنَّ اَنَا وَ رُسُلی»(4)
هنا يجب أن نقول: الظهور هو النهاية الكاملة والتفصيلية لصراط الغدير المستقيم والتجسيد الكامل لتعالي البشر. فالإسلام لن يتجسد من دون الغدير، والغدير لن يتجسد من دون الظهور. فكمال الدين الذي أعلن وتمام النعمة يكمنان في الولاية، ورضا الله يكمن في الغدير وهذا لن يتحقق عملياً إلا في الظهور.

في يوم الظهور يكون إمام الظهور هو ذلك القائد صاحب الرسالة العالمية لخاتم الأنبياء. فالخطة الإلهية للغدير ستتجسد فيه خلال عصر الظهور الذي سيشهد قمة الارتباط بين الإنسان والخالق.

في ذلك اليوم يتم استثمار عالم الوجود بأفضل شكل ممكن وعلى يد إمام عالم بتفاصيل عالم الخلق. ذلك اليوم موجبٌ للواجبات وفيه تتحقق الإمامة بمعناها العملي. في ذلك اليوم يفهم الناس أنهم قد حصلوا على جواب دعائهم «اِهدِنَا الصِّراطَ المُستَقیمَ»(5) منذ أبد بعيد ولكنهم لم ينتبهوا إلى ذلك.

السقيفة منعت الغدير حتى الظهور

تعرضت خطة الغدير الإلهية والتي كانت هدية لجميع البشر وهدية من الخالق سبحانه وتعالى لعباده، تعرضت إلى ضربة مُريعة في حادثة السقيفة التي أدت إلى تعاسة الإنسان بل وقضت على كل آماله. فجملة «حَسبُنا کِتابُ اللَّهِ»(6) بمعنى عزل الخليفة الذي تم تعيينه من قبل الله أدت إلى تحويل عسل أماني البشر في الغدير إلى شراب لاذع الطعم.

في الحقيقة لا يوجد أمام البشر من حل سوى العودة إلى الغدير وهذا الهدف من الظهور.

الظهور برسالة الغدير

سيظهر إمام الزمان (عليه السلام) حاملاً رسالة الغدير، وسيتحرك برسالة الغدير، وسيتم هذه الرسالة. هذه الآية تشير إلى ظهور آيتي التبليغ وكمال الدين: «لَیَستَخلِفَنَّهُم فِی الاَرض»(7) من هنا يتضح أن الأمر بإبلاغ الغدير حتى القيامة يعني بالبقاء والمضي على طريق الأنبياء حتى يوم الظهور ومن ثم إلى يوم القيامة.

خلال عصر الظهور سيتضح للناس كم كانوا بحاجة إلى الغدير، ومدى عظمة الأمر الذي أهملوه. في ذلك اليوم سيتضح واجب الغدير تجاه البشر، وواجب البشر تجاه الغدير؛ وسيلفت إمام الزمان أنظار الناس إلى نسيانهم الغدير وفقدانهم إياه.

كل هذا لأن الغدير ينص على الوعد بالظهور، وقد أعلِنَ أن وعود يوم الظهور ستتحقق لا محالة. خطبة الغدير بأسطرها العشرين ترسم شكل الموعود ومل سيتحقق في عصر الظهور. فالغدير يرسم خطة لحكومتين تدوران حول محور واحد: علوية و مهدوية؛ لم يقدر الناس مقام الأولى؛ ولكنهم سيفهمون مقام الثانية عن طريق ما مهده الغدير من أرضيات للحكومة العالمية الواحدة القائمة على العدل والتي يقودها سيدنا المهدي (عليه السلام).

وكم من المناسب أن نقول: إن الغدير كان خطاباً منذ حصوله إلى الظهور، في زمن الظهور سيتحول من خطاب إلى خطة عملية وتنفيذية.

آثار الغدير  في عصر الظهور

عصر الظهور هو موعد منتظري الغدير الذين عانوا الأمرين على مدى قرون بسبب ما حصل حادثة السقيفة وبقت أعينهم تترصد الظهور. حتى أولئك الذين قضوا نحبهم سيعودون ليتذوقوا شهد الغدير بحضور صاحبه، وهذا حق من حقوقهم.

ما جعل هذا الانتظار يتحول إلى اشتياق هو أن أحداً لا يعلم عن عصر ظهور الغدير سوى ما سمعه؛ وما أكبر الفارق بين السماع والرؤية والعيش في ظل إمام الغدير!

بنظرة شاملة يمكن القول إن الغدير يضم في طياته كل ما تحتاجه جميل الشعوب بمختلف الألوان، القوميات واللغات في كل مكان وزمان من أجل النجاة وتحقيق السعادة وهذا ما سيتجسد في عصر ظهور الغدير. يمكن كتابة الكثير من الخواطر والأسرار في بيان هذه السعادة.

1- لو قلنا إن حياة البشر المادية والمعنوية ستكون كاملة؛ فإننا لم نبالغ.

2- لو قلنا إن البشر سيصل إلى التعالي وأعلى درجات السمو وستظهر أقصى إمكانياته، فهذا صحيح.

3- لو قلنا أن البشر سيعثرون على الصراط المستقيم وسيسيرون عليه نحو الأهداف الإلهية وسيكونون في مأمن من جميع الانحرافات، فهذا كلام في محله.

4- لو قلنا إن الإسلام الذي هو أساس جميع الأديان سيتجلى بأتم صوره، فإن هذا الكلام لا يجانب الصواب.

5- لو ادعينا أن الشر، الظلم والفتن بجميع أنواعها ستتراجع، وإن العالم سيتحول إلى جنة أرضية قبل جنة  الآخرة، وستعيش جميع المخلوقات في أمن تام، فإن هذه هي الحقيقة ذاتها.

6- لو قلنا إن عصر الظهور هو العصر الذي سيرضى فيه الله سبحانه وتعالى عن عباده، وإن هذا الرضا هو أقصى ما يتمناه البشر، فإن هذا الكلام صحيح.

7- إذا ادعينا أن إمام الغدير سيوضح للجميع في عصر الظهور أفضل طريقة لاستثمار عالم الوجود، فهذا كلام صحيح.

8- إذا قلنا إن تزعم الإمام المعصوم سيؤدي إلى إحاطة الأرض بالنور وسينور العالم وستفتخر جميع المخلوقات بهذا النور، فهذا أمر صحيح.

تحيا القلوب بانتظار العصر المهدوي وتحقق الوعد الإلهي لتصبح الأرض كلها غديراً.

على أمل ذلك اليوم…


قائمة المصادر:

1- آل عمران: 164

2- المائدة: 3

3- الزمر: 69

4- المجادلة: 21

5- الحمد 6

6- امالي الشيخ المفيد: ص 36

7- النور: 55.

محتوى مشابه

اترك تعليقا