سيرة العباس بن علي (عليهما السلام)

بواسطة Shamkhani
60 الآراء

العباس بن علي (عليهما السلام) والمعروف بأبي الفضل وقمر بني هاشم، هو نجل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأخ الأصغر للإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام). اشتهر بين المسلمين وبصورة خاصة عند الشيعة وغير المسلمين بسبب شجاعته في القتال ووفائه للإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء. يقع ضريح العباس بن علي في كربلاء وفي ساحة قتال واقعة كربلاء. ووفقاً لتقاليد قديمة عادة ما يُقام عزاء ذكرى استشهاده في اليوم التاسع من شهر محرم الحرام، وهو اليوم المعروف باسم تاسوعاء.

الولادة في المدينة المنورة

العباس، ابن الإمام علي (عليه السلام) ولد في الرابع من شعبان عام 26 للهجرة في المدينة المنورة. أمه هي فاطمة المعروفة باسم أم البنين، ابن حزام بن خالد، وأسلافها من فرسان العرب، واشتهروا بالشجاعة والبسالة.

بعد عشر سنوات من استشهاد سيدتنا فاطمة (عليها السلام) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تزوج أمير المؤمنين أم البنين. وتولى اخوه عقيل بن أبي طالب الخطبة. وقبل ليلة الخطبة، رأت أم البنين مناماً ذكرته لأمها:

أني رأيت فيما يرى النّائم كأني جالسّة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية وكانت السّماء صاحية والقمر مشرقاً والنّجوم ساطعة وأنا أفكر في عظمة خلق الله من سماء مرفوعة بغير عمد وقمر منير وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التّفكير ونحوه وإذا أرى كأن القمر قد انقض من كبد السّماء ووقع في حجري وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت من ذلك وإذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعوا أيضاً في حجري وقد أغشى نورهم بصري فتحيرت في أمري مما رأيت وإذا بهاتف قد هتف بي أسمع منه الصّوت ولا أرى الشّخص وهو يقول:

بشـراك فاطـمة بالسّادة الغرر* ثلاثة أنجم والزّاهر القمر

أبوهم سيد في الخلق قـاطبة * بعد الرّسول كذا قد جاء في الخبر

فلمّا سمعت ذلك ذهلت وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها:

فقالت لها أمها يا بنية ان صدقت رؤياك فانك تتزوجين برجل جليل القدر رفيع الشّأن عظيم المنزلة عند الله مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد يكون أولهم وجهه كأنه القمر وثلاثة كالنّجوم الزّواهر.

عند دخول أم البنين إلى منزل أمير المؤمنين (عليه السلام) قَبَلَت أيادي الحسن والحسين وزينب الكبرى (عليهم السلام)، وانكبت على خدمة آل بيت الوحيد بجد وصدق وتواضع. ومنذ البداية انتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حكمتها العميقة، أدب هذه السيدة عظيمة الشأن وحسن أخلاقها وتعظيمها لأمير المؤمنين وأهل بيته وقبيلة بني هاشم، ونالت احتراماً متبادلاً كبيراً.

بعد فترة قصيرة من الزواج، انتبه الإمام علي (عليه السلام) إلى أن مناداته لأم البنين باسمها، فاطمة يجلب انتباه أبناء فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ويذكرهم بأمهم ويغرقهم في الحزن. لذلك اختار لها أمير المؤمنين اسم: “أم البنين”، وقال لها سيرزقك الله أولاداً هم أفضل الشباب.

كان حب أم البنين لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شديداً إلى درجة أنها أحبت الإمام الحسين (عليه السلام) اكثر من حبها لأولادها؛ حتى أن هذه السيدة العظيمة طلبت سماع أخبار الحسين (عليه السلام) عندما أخبروها باستشهاد أولادها الأربعة، قالت: يا ابن حذلم لقد قطعت نياط قلبي أخبرتني بقتل أولادي الأربعة ولكن يا ابن حذلم إعلم إن أولادي وجميع من تحت السماء فداء لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

أثمر زواج علي (عليه السلام) بفاطمة بنت حزام عن أربعة أولاد هم: العباس، عون، جعفر وعثمان، وكان العباس (عليه السلام) أكبرهم. وكانت ام البنين وفية لأمير المؤمنين إلى درجة أنها لم تتزوج بعد استشهاده رغم أنها عاشت لعشرين عاماً بعده.

عندما ولد العباس، رفع الإمام علي (عليه السلام) الأذان وأذان الإقامة في أذنيه، وكرر اسم رسول الله، وسماه عباس. وقد رأت أُمّ البنين عليه السلام في بعض الأيام أنّ أميرَ المؤمنين عليه السلام أجلس أبا الفضل عليه السلام على فخذه، وشمّر عن ساعديه، وقبلهما وبكى، فأدهشها الحال؛ لأنّها لم تكن تعهد صبيّاً بتلك الشمائل العلوية ينظر إليه أبوه ويبكي، من دون سبب، ولمّا أخبرها أمير المؤمنين عليه السلام على ما سيحدث لهذين اليدين من القطع في نصرة الحسين عليه السلام: «بكت وأعولت وشاركها مَن في الدار في الزفرة والحسرة، غير أنّ سيّد الأوصياء بشّرها بمكانة ولدها العزيز عند اللّه جلّ شأنه، وما حباه عن يديه بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة، كما جعل ذلك لجعفر بن أبي طالب».

صفات سيدنا العباس (عليه السلام)

كان العباس (عليه السلام) طويل القامة، حسن الوجه ، واتصف بشجاعة منقطعة النظير، ولوسامته أطلق عليه اسم “قمر بني هاشم”. كان مؤدباً جداً، وتربى العباس في منزل علي (عليه السلام)، الأب الذي عُرِفَ بأبي اليتامى ومضيف الغرباء؛ الأب الذي كان يضع الطعام المبلل بالدموع في أفواه اليتامى، وتقاسم ثمار جهده مع الفقراء على مدى 25 عاماً، وتربى في أحضان أم مؤمنة ووفية إلى جانب الحسن والحسين (عليهما السلام)، وتعلم من هذا البيت دروس عظيمة في الإنسانية، الشهادة والصدق. موهبته الذاتية وتربيته العائلية أدتا إلى أن يتصف بكمال الأخلاق والروح إلى جانب القوة الجسدية والعضلية، ليصبح شاباً كاملاً ممتازاً ومؤهلاً. لم يُعرف سيدنا العباس بالفصاحة وجمال المنطق فقط، بل كان من أبرز شباب زمانه في الحكمة والفضائل الإنسانية. كان موقناً أنه مدخر من أجل يوم عظيم، وكان يعلم أنه وِلِدَ من أجل عاشوراء.

يشهد التاريخ أن سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) اهتم كثيراً بتربية أبنائه وربى سيدنا العباس (عليه السلام) روحياً وأخلاقياً بالإضافة إلى تربيته جسدياً إلى درجة أن كمال جسمه كان بادياً وقوته البدنية كانت واضحة. بالإضافة إلى الصفات التي ورثها العباس (عليه السلام) عن أبيه، كان العباس يساعد أبيه في سقي أشجار النخيل وحفر السواقي والآبار، بالإضافة إلى ممارسته اللعب كاليافعين مما زاد من قوته الجسدية.

من الألعاب التي اشتهرت بين الأطفال واليافعين خلال عهد طفولة سيدنا العباس (عليه السلام) وأوائل شبابه، لعبة باسم “مداحي” وهي تشبه الغولف في عصرنا الحاضر، كانت هذه اللعبة تمارس بطريقتين، الركوب على الخيل والركض على الأقدام، حيث كان اللاعبون يستخدمون العصي في محاولة لأخذ الكرة من بعضهم وإدخالها في حفرة تعتبر مرمى الفريق الثاني. كان لهذا النوع من الألعاب دور كبير في سرعة حركة الأطفال وقوتهم الجسمانية. بالإضافة إلى ذلك كتبوا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) عمل بوصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رياضة الأطفال واليافعين وتعليمهم ركوب الخيل، الرماية، المصارعة والسباحة، وكان يعلم العباس (عليه السلام) على فنون القتال بنفسه، وكان لهذا الأمر تأثير كبير في تربية العباس (عليه السلام) جسمياً.

خلال سن الثانية عشر إلى الرابعة عشر من عمره، بينما كان الإمام علي (عليه السلام) مشغولاً بقتال الأعداء، شارك العباس (عليه السلام) في بعض الحروب، رغم أنهم لم يكونوا يأذنون له بالقتال كثيراً، ولكنه استطاع رغم كونه شاباً صغيراً أن يجابه عدد من أبطال العرب:

 في حرب صفين، قطع جيش معاوية الطريق نحو الماء أمام أمير المؤمنين وجيشه؛ فأرسل الإمام (عليه السلام) مجموعة بقيادة الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل فتح الطريق وكان العباس (عليه السلام) ضمن المجموعة وقاتل في ركاب أخيه. وكان العباس (عليه السلام) في الرابعة عشر من عمره، عندما استشهد أبيه (عليه السلام) في واقعة المحراب في شهر رمضان بالكوفة عام أربعين للهجرة. وشهد بعيون باكية دفن أبيه سراً تحت جنح الليل. ولم ينسَ أبداً ما أوصاه به أبوه في ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان وعلى اعتاب استشهاده. نعم، فالإمام طلب منه ألا يترك أخاه الحسين (عليه السلام) وحيداً يوم عاشوراء في كربلاء.

بعد استشهاد الإمام علي (عليه السلام) عاش سيدنا العباس سنوات إمامة أخيه الحسن (عليه السلام) المريرة.

سنوات بلغت فيها حيل معاوية وظلم الأمويين أوجهما فاستشهد الكثير من أصحاب الإمام علي والإمام الحسن (عليهما السلام) الأوفياء ومنهم حجر بن عدي وعمرو بن حمق. عهد ارتقى فيه الوعاظ المنابر ليمدحوا معاوية ويسبوا علياً (عليه السلام). وفي حادثة الصُلح الذي فرض من قبل معاوية على الإمام المجتبى (عليه السلام) اتخذ سيدنا العباس (عليه السلام) موقفاً دائماً داعماً لأخيه المعصوم المظلوم. فلم يتقدم أبداً على إمامه وقائده، ورغم أن الصلح لم يكن يتفق أبداً مع طباعه الباسلة وشجاعته، إلا أنه فضل البقاء على أصل الاتباع المطلق للإمام الحق وأن يلتزم الصمت.

ولهذا نقرأ في بداية دعاء زيارة سيدنا العباس (عليه السلام) والذي نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام): ” اَلسَّلامُ عَلَيْكَ اَيُّهَا الْعَبْدُ الصّالِحُ الْمُطيعُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلاَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَالْحَسَنِ والْحُسَيْنِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ..”

ولم تغب الأحوال الباطنية للمجتمع عن أنظاره اليقظة، فكان يعمل بواجباته بذكاء ويقظة. وبعد عودة الإمام المجتبى (عليه السلام) إلى المدينة، كان العباس (عليه السلام) إلى جانب الإمام يرعى المحتاجين ويقدم لهم هدايا أخيه الكريمة. وخلال هذا العهد تم تلقيبه بلقب “باب الحوائج” وكان وسيلة للمساعدة ودعم المحرومين في المجتمع. وعلى مدى هذا العصر بقي إلى جانب إمامه يحميه ويدعمه إلى أن أدت دسيسة ابن أبي سفيان إلى استشهاد الإمام وانتقاله إلى جوار الرفيق الأعلى.

تزوج العباس وهو في سن الثامنة عشر لبابة ابن عبد الله بن العباس، بعد سنوات من استشهاد أبيه. وكان عبد الله من رواة الحديث ومن تلاميذ الإمام علي (عليه السلام) البارزين، وتربت لبابة في جو عرفاني وديني. وأثمر زواجهما عن ولدين هما عبيد الله والفضل. ويُقال أن العباس لُقب بأبي الفضل بعد ولادة ابنه الفضل. ولكن تعتقد مجموعة أخرى أنه لُقب بهذا بسبب فضله الدائم غير المنقطع.

على مدى سني حياته كان العباس (عليه السلام) إلى جانب أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وقضى شبابه في خدمة الإمام الحسين (عليه السلام). وكان له عظمة واحترام خاص بين شباب بني هاشم، فكانوا يدورون كالفراش حول شمعة العباس (عليه السلام) حباً ووفاء له. كانوا قرابة ثلاثين شخصاً في ركاب الإمام الحسن والإمام الحسين (عليهما السلام) وعلى استعداد دائم للشهادة والقتال.

بعد موت معاوية، طلب حاكم المدينة الإمام الحسين إلى دار الإمامة ليسلمه رسالة يزيد بن معاوية، كان العباس (عليه السلام) والأشخاص الثلاثين معه خارج دار الإمامة، فأدى الخوف من هؤلاء إلى أن لا يُهدد الإمام (عليه السلام) أي خطر.

عاشوراء والشهادة

بعد أن تحرك الإمام الحسين (عليه السلام) وأهله وأصحابه نحو الكوفة بدعوة من أهلها. تحرك نحو الإمام الحسين (عليه السلام) جيش من عشرين ألف شخص على رأسهم عمر بن سعد بأمر من يزيد وبالتعاون مع حاكم الكوفة، ابن زياد. التقى جيش عمر بن سعد بالإمام الحسين وأصحابه في أرض أسمها كربلاء ومنعهم من الحركة. فلم يسمح لهم بالتقدم أو العودة، إذ أن يزيد الظالم كان بانتظار مثل هذه الفرصة من أجل القضاء على أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

في ظل هذه الظروف، لم يكن أمام الإمام وأصحابه الاثنين والسبعين ومن معهم من النساء والأطفال من حل سوى القتال والمقاومة. وأهل الكوفة الذين كانوا قد طلبوا من الإمام أن يأتي ويخصلهم من شر الحاكة الظالم، لم يتحرك أي منهم تقريباً بسبب تهديدات ابن زياد له، ولم ينصروا إمامهم.

في التاسع من محرم، كان الجميع يعلمون أن حرباً ضارية تنتظرهم في اليوم التالي، وكان العباس (عليه السلام) حامل لواء جيش الإمام الحسين يكلم أخوته وأصحابه ويأخذ منهم العهد للدفاع عن الإمام وأهل البيت حتى آخر قطرة من دمائهم. وفي المساء كان يحرس الخيم وما حولها مما يدخل السكينة في قلوب النساء والأطفال.

في اليوم التالي، أي في يوم عاشوراء، بدأت حرب غير متكافئة وغادرة بهجوم جيش عمر بن سعد، حرب مزقوا فيها نحر رضيع الإمام الحسين (عليه السلام) وهو في الشهر السادس من عمره بسهم مثلث مسموم ذي ثلاث شعب، وقطعوا الشاب علي الأكبر إرباً إرباً، وقتلوا أبناء أخ الإمام..

كان أصحاب الإمام يستأذنونه الواحد تلو الآخر من اجل النزول إلى الساحة، فيذهبون ولا يعودون، وطوال تلك المدة كان الإمام الحسين عليه السلام يرى هذا الوفاء وهذه المظلومية بقلب كسير وحزين.

لما رأى العباس (عليه السلام) وحدة الإمام الحسين (عليه السلام) أتى أخاه و قال يا أخي هل من رخصة؟ فبكى الحسين (عليه السلام) بكاء شديداً ثم قال يا أَخِي أَنْتَ صَاحِبُ لِوَائِي وَ إِذَا مَضَيْتَ تَفَرَّقَ عَسْكَرِي، فَقَالَ الْعَبَّاسُ قَدْ ضَاقَ صَدْرِي وَ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَ أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ ثَأْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ ع فَاطْلُبْ لِهَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ قَلِيلًا مِنَ الْمَاءِ. فذهب العباس و وعظهم و حذرهم فلم ينفعهم فرجع إلى أخيه فأخبره فسمع الأطفال ينادون العطش العطش (إذ كان عمر بن سعد قد قطع على الإمام وأصحابه الطريق إلى الماء) فركب فرسه و أخذ رمحه و القربة و قصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات و رموه بالنبال فكشفهم و قتل منهم على ما روي ثمانين رجلا حتى دخل الماء. فلما أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين و أهل بيته فرمى الماء و ملأ القربة و حملها على كتفه الأيمن و توجه نحو الخيمة، فقطعوا عليه‏ الطريق و أحاطوا به من كل جانب فحاربهم وهو يرجز:

يا نفس من بعد الحسين هونى

و بعده لا كنت ان تكونى

هذا الحسين وارد المنون

و تشربين بارد المعين

تالله ما هذا فعال دينى

حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها، فحمل القربة على كتفه الأيسر ورجز:

و الله ان قطعتموا يمينى

انى احامى ابدا عن دينى

و عن امام صادق اليقين

نجل النبى الطاهر الأمين

فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند فحمل القربة بأسنانه وكان يرجز:

 يا نفس لا تخشى من الكفار

و أبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فاصلهم يا رب حر النار

وبعدها أصاب سهم القربة وسال ماؤها.

وبعد مدة أصاب سهم صدره واستقر آخر في عينه، وفي النهاية ضربوه بعمود على رأسه، فسقط من على الحصان، فكانت أول مرة ينادي فيه العباس (عليه السلام) الإمام الحسين قائلاً يا أخي، إذ كان دائماً يناديه مولاي من شدة أدبه.

فلما أتاه رآه صريعا، قال: “الْآنَ انْكَسَرَ ظَهْرِي وَ قَلَّتْ حِيلَتِي”. عندما رأى عينه المصابة بسهم وجسده المضرج بالدماء، انحنى الإمام الحسين (عليه السلام) وجلس بجانبه وبكى. وضع الإمام (عليه السلام) رأس العباس على ركبته، ولكن العباس (عليه السلام) وضع رأسه على الأرض وقال: أنت تمسح الدم والتراب عني وتواسيني وتنقلني إلى الخيم بعد ساعة وعند سقوطك من سيمسح الدم والتراب عن وجهك. بقي الإمام الحسين (عليه السلام) إلى جانبه وبكى حتى فاضت روح العباس (عليه السلام). بعد استشهاد العباس بن علي (عليهما السلام)، حمل الإمام الحسين (عليه السلام) على القوم فجعل يضرب فيهم يمينا وشمالا، فيفرون من بين يديه كما تفر المعزى إذا شد فيها الذئب وهو يقول: اين تفرون وقد قتلتم اخي. اين تفرون وقد فتتم عضدي.

ثم عاد إلى  الخيام، فسألت سكينة (عليها السلام) أباها عم عمها العباس. فأخبرها الإمام باستشهاده.

فصرخت زينب (عليها السلام): وا أخاه! وا عباساه!

بكت النساء جميعاً وبكى الإمام الحسين (عليه السلام أيضاً) وأنشأ يقول: “أخي يا نور عيني يا شقيقي فلي قد كنت كالركن الوثيق أيا ابن أبي نصحت أخاك حتى سقاك الله كأسا من رحيق أيا قمرا منيرا كنت عوني على كل النوائب في المضيق فبعدك لا تطيب لنا حياة سنجمع في الغداة على الحقيق ألا لله شكوائي وصبر يوما ألقاه من ظمأ وضيق.”

حرم سيدنا العباس (عليه السلام)

يقع حرم سيدنا العباس (عليه السلام) إلى الشمال الشرقي من حرم الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء) وتسمى المسافة بينهما باسم بين الحرمين. بدأ تطوير حرم سيدنا العباس وترميمه في عهد الشاه الصفوي طهماسب، ومن ثم في عهد نادر شاه. وبعد هجوم الوهابيين على كربلاء وهدم البقاع المقدسة، أعاد فتح علي شاه ترميم الحرم.

مقام سيدنا العباس عليه السلام ومنزلته

ليلة عاشوراء، وقف جيش عمر بن سعد أمام قافلة الإمام الحسين، وبدأوا بالصراخ، فقال الإمام الحسين (عليه السلام) لسيدنا العباس (عليه السلام): يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم، وما بدا لكم ؟ وتسألهم عمّا جاء بهم.

وفي هذا الموقف أمران مهمان، الأول هو أن الإمام قال لسيدنا العباس: “بنفسي أنت” وهذا يدل على عظمة مقام سيدنا العباس (عليه السلام)، لأن الإمام المعصوم ما ينطق عن الهوى، ولا يقوم كلام لا يعنيه، والأمر الثاني هو أنه أوفد سيدنا العباس (عليه السلام) ليكون ممثله أمام معسكر الأعداء.

وفي يوم عاشوراء، عندما سقط سيدنا العباس (عليه السلام) عن ظهر الحصان، قال الإمام الحسين (عليه السلام): “الآن انكسر ظهري وقلت حيلتي”، وهذه الجملة تُبين مدى أهمية سيدنا العباس (عليه السلام) ودوره الكبير في دعم الإمام الحسين (عليه السلام).

وفي جانب من دعاء زيارة إمام الزمان (عجل الله فرجه الشريف) لشهداء كربلاء، يُخاطب سيدنا العباس قائلاً: “السلام على أبي الفضل العبّاس ابن أمير المؤمنين، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الفادي له، الواقي، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه، لعن الله قاتليه يزيد بن الرّقاد، وحكيم بن الطفيل الطائي..”

وقع نظر الإمام زين العابدين (عليه‌ السلام) يوماً على عبيد الله بن العبّاس بن علي(عليه‌ السلام)، فتذكّر به عمّه أبا الفضل العبّاس(عليه‌ السلام) فاستعبر، ثمّ قال: ((ما من يومٍ أشدّ على رسول الله(صلّى ‌الله‌ عليه ‌وآله) من يومٍ قُتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب(عليه السلام) أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قُتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب عليه السلام)).

ثمّ أضاف: ((ولا يوم كيوم الحسين(عليه السلام)؛ ازدلف إليه فيه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمّة، كلّ يتقرّب بدمه إلى الله، وهو يذكّرهم بالله، فلا يتّعظون حتّى قتلوه بغياً، وظلماً وعدواناً)).

ثمّ قال: ((رحم الله عمّي العبّاس، فلقد آثر وأبلى، وفدى أخاه بنفسه حتّى قُطعت يداه، فأبدله الله بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنّة كما جعل لجعفر بن أبي طالب(عليه السلام)، وإنّ للعبّاس(عليه السلام) عند الله منزلةً يغبطه بها جميعُ الشهداء يوم القيامة)). فللفداء، الإيثار والتضحية مكانة كبيرة في الإسلام وفي مكتب أهل البيت (عليهم السلام)؛ إلى درجة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يرى أن الإيثار أسمى الفضائل الأخلاقية.

في حديث آخر يقول الإمام علي (عليه السلام): الْإِيثَارُ أَفْضَلُ عِبَادَةٍ وَ أَجَلُّ سِيَادَة، وفي حديث آخر جاء: لَا تَكْمُلُ الْمَكَارِمُ إِلَّا بِالْعَفَافِ وَ الْإِيثَار.

وفي جانب من وصية الإمام علي (عليه السلام) للحارث الهمداني يقول: اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُهُمْ تَقْدِمَةً مِنْ نَفْسِهِ وَ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ.

وهنا يتبادر السؤال القائل، ألم يضحِ بقية الشهداء بأنفسهم فما الذي يميز سيدنا العباس عن باقي الشهداء؟

الجواب هو أن بصيرة سيدنا العباس كانت أقوى وأعلى من باقي الشهداء وطاعته لإمامه كانت أكمل. فالإسلام ومدرسة أهل البيت يريان أن ما يميز الأعمال الصالحة عن بعضها البعض ويكون الفارق في قيمتها هو المعرفة والرؤية ونية الشخص، وربما يكون هذا المقصود من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين.

ضحى سيدنا العباس (عليه السلام) في سبيل الدين والإمام بمعرفة تامة وقطع مراحل الكمال والتعالي.

محتوى مشابه

اترك تعليقا