شخصية السيدة زينب (سلام الله عليها) وفضائلها

بواسطة Shamkhani
63 الآراء

شهد التاريخ وقوع الكثير من الثورات، وضحى الكثير من الأشخاص بأنفسه، ولكن مع مرور الأيام ذهبوا طي النسيان. أما ثورة عاشوراء، فإنها بقت خالدة في قلوب المسلمين رغم مرور الأيام.
تعد عقيلة بني هاشم، السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) ومن دون أدنى شك من الشخصيات المؤثرة في هذه الثورة العظيمة والتي قامت بدور كبير جداً في بقاء الثورة وخلودها؛ هذه السيدة التي تعتبر من نوادر النساء في تاريخ الإسلام والتي تربت في أحضان فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومولا المتقين، وتعلمت دروس الحياة على يديهما.

قد تم تأليف عشرات الكتب والأبحاث حول حياة هذه السيدة وتحليلها والثناء عليها.

وفي هذا المقال نحاول دراسة هذه الشخصية وتسليط الضوء على فضائلها وشرحها.

أسماء السيدة زينب (عليها السلام) وألقابها

السيدة زينب (عليها السلام)، هي أولى بنات الإمام علي وسيدتنا الزهراء (سلام الله عليهما). وأشهر أسماء هذه السيدة الفاضلة هو “زينب” وفي اللغة تعني الزينب: “الشجر حسن المنظر، طيب الرائحة(١)”. وأصلها “زين أب” وهي “زينة الأب”. وحقاً كانت زينة للمدرسة الإسلامية ولأبيها ورفعت أسمه بطريقة لا مثيل لها.
ولدت السيدة زينب (عليها السلام) في الخامس من جمادي الأوى في العام الخامس أو السادس للهجرة، وأبصرت النور في المدينة المنورة. وبعد ولادة السيدة زينب (عليها السلام) وضعت سيدتنا فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) الوليدة بين يدي سيدنا علي (عليه السلام)، وقالت: سم هذه المولودة؟ فقال(عليه السلام) ما كنت لأسبق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (٢) وكان في سفر له، ولمّا جاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سأله أمير المؤمنين أن یسمیها، فقال: ما كنت لأسبق ربّي تعالى، فهبط جبرائيل يقرأ على النبي السلام من الله الجليل، وقال له: سم هذه المولودة (زينب)؛ فقد اختار الله لها هذا الاسم(٣)، وكتبه في اللوح المحفوظ.(٤)

وتسمية السيدة زينب (عليها السلام) من قبل الله سبحانه وتعالى يدل على عظمة مقامها عند الله وكبرها.

ومن أسمائها أم كلثوم الكبرى، الصديقة الصغرى، بالإضافة إلى ألقاب كثيرة مثل عقيلة بني هاشم، العالمة غير المُعَلَمة، العارفة، الموثقة، الفاضلة، الكاملة، عابدة آل علي، المعصومة الصغرى، أمينة الله، نائبة الزهراء، نائبة الحسين، عقيلة النساء، شريكة الشهداء، البليغة، الفصيحة وشريكة الحسين. (٥) وسيدتنا زينب (عليها السلام) هي مصداق حقيقي لهذه الأسماء والألقاب بشخصيتها واستحقاقها.

تزوجت السيدة زينب (عليها السلام) بابن عمها “عبد الله بن جعفر” وأثمر زواجهما عن أبناء استشهد اثنان منهما (محمد وعون) في كربلاء في ركاب أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). (٦)
وفي نهاية المطاف توفيت هذه السيدة الفاضلة في الخامس عشر من رجب عام ٦٢ للهجرة وهي محملة بالحزن والهم والمحن.

شخصية السيدة زينب (عليها السلام)

يعتقد علماء النفس أن لكل من: الوراثة، التربية ومحيط النشأة وبنيته آثار عظيمة في الأسس الرئيسية لشخصية الإنسان.(٧) وفي حالة السيدة زينب (عليها السلام) فأن الأصول الثلاثة المشار إليها لعبت دوراً كبيراً في تكوينها النفسي:

الف. الوراثة: ولدت سيدتنا زينب في بين الوحي (النبوة والولاية)، فجدها هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ووالدها هو أمير المؤمنين، علي (عليه السلام)، ووالدتها هي فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد قال رسول الله عن أبناء فاطمة:
 «… وُلدِ فاطِمَةَ فَانَا وَلِیُّهُم وَ عُصبَتُهُم، وَ هُم خُلِقُوا مِن طِینَتِی…»(٨).
لذلك فإن السيدة زينب (عليها السلام) قد ولدت في هذه العائلة العظيمة وورثة مراتب الكمال عن هذه الشخصيات العظيمة.

ب. التربية: ترعرعت سيدتنا زينب (عليها السلام) منذ ولادتها وتقريباً حتى الربيع السادس من عمرها في أحضان النبي وسيدنا علي (عليه السلام) والزهراء (سلام الله عليها) وتحت الإشراف الدقيق لهذه العائلة.
وقد أدت تربية سيدتنا زينب (عليها السلام) في هذه العائلة إلى أن تحظى بعائلة عالية المقام باعتبارها ثالث سيدات العالم الإسلامي بعد السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
ج. محيط النشأة: يعد محيط النشأة من الأسس المهمة في بناء شخصية الإنسان. وقد ترعرعت سيدتنا زينب (عليها السلام) في جو هو مركز للفضائل، الصفاء والمحبة. فقد نشأت سيدتنا زينب (عليها السلام) في المدينة المنورة في منزل الإمام علي (عليه السلام)، فاطمة الزهراء (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام)؛ وهو المنزل الذي كان كعبة آمال المؤمنين ومحبوب قلوبهم. وقد أثر هذا المحيط المنور والمنزل المبارك والقيم الدينية والإنسانية فيه على السيدة زينب وجعل شخصيتها تنمو وتزدهر.

مقام السيدة زينب (عليها السلام)

كان لسيدتنا زينب (عليها السلام) مقاماٌ خاصاً ومنزلة كبيرة فكانت كلما دخلت على أبيها، نهض الإمام (عليه السلام) من مكانه وجعلها تجلس في مكانه مبدٍ لها احتراماً كبيراً. فقد كانت أمينة أبيها.

وكذلك نايت زينب الكبرى (عليها السلام) بعد والدها مكانة خاصة عند الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام). فكانا يبديان لأختهما أقصى درجات الاحترام ويحاولان ألا تكتشف سيدتنا زينب (عليها السلام) المصائب والمشاكل التي يمران من أجل ألا تحزن.

ولكن المحبة بين الإمام الحسين (عليه السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) كانت محبة متبادلة واستثنائية. فكان الإمام الحسين (عليه السلام) يولي السيدة الزينب (عليها السلام) مكانة كبيرة ويعززها ويكرمها. (٩) فقد كان يعتبرها حافظة أسراره وأمينته، وكان يودعها ودائعه. فقد أودعها الإمام الحسين (عليه السلام) أسرار الإمامة. (١٠) ويعكس هذا الموضوع مقاوم السيدة زينب (عليها السلام) وعلو درجتها. وعند زيارة السيدة زينب (عليها السلام) لأخيها، كان الإمام (عليه السلام) يوسع لها المجلس، ويفرج بجلوسها بجنبه وبالقرب منه.(١١).

فضائل السيدة زينب (عليها السلام) ومناقبها

لزينب الكبرى (عليها السلام) الكثير من الفضائل والمناقب. وكما تمت الإشارة فقد لقبوها بالعالمة غير المعلمة، عقيلة بني هاشم، المعصومة الصغرى و..(١٢). وكل من هذه الألقاب يعد شهادة واضحة لإثبات مقام هذه السيدة العظيمة في الإسلام.

كانت السيدة زينب (عليها السلام) سيدة طويلة القامة، حسن الوجه وعالية المقام، وكانت تشبه في وقارها وشخصيتها جدتها السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام) وفي حيائها وفتها أمها فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وفي وضوح كلامها وقوة خطابتها أبيها الإمام علي (عليه السلام)، وفي حلمها وصبرها، الإمام الحسن (عليه السلام) وفي الشجاعة وقوة القلب، أخيها الإمام الحسين (عليه السلام).(١٣) وفيما يلي نشير إلى عدد من فضائلها.

١. العلم والمعرفة

الخطب العلمية والتي يرافقها استدلال بآيات القرآن الكريم في الكوفة، في مجلس عبيد الله بن زياد وكذلك في بلاط يزيد والتي ألقتها السيدة زينب (عليها السلام) تشهد كل منها على القدرات العلمية لهذه السيدة. ونقل ابن عباس الخطبة العظيمة للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) حيال أرض فدك، عن زينب (عليها السلام) وقال: “قالت عقيلتنا، زينب بنت علي: ..” (١٤) يُضاف إلى ذلك أن تدريس زينب (عليها السلام) نساء الكوفة القرآن الكريم في عهد حكومة أبيها علي (عليه السلام) يعكس قدراتها العلمية.(١٥).

وكان لسيدتنا زينب (عليها السلام) مقام نقل الأحاديث وروايتها حيث نقل عن السيدة زينب (عليها السلام) الأحاديث محمد بن عمرو، عطاء بن سائب، فاطمة بنت الحسين وآخرون (١٦).

حتى أنها حصلت على العلم بالأحداث المستقبلية من أبيها الإمام الهمام، كما علم بتلك الأسرار عدد من خواص صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل سلمان، أبي ذر، وبعض أصحاب الإمام علي (عليه السلام) مثل ميثم التمار ورشيد الهجري. (١٧)

امتلكت السيدة زينب (عليها السلام) علماً غزيراً والشخص الذي نهل العلم بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مدينة العلم، وبين يدي الإمام علي (عليه السلام) وهو باب مدينة العلم، من الطبيعي أن يكون بحر العلم.

بالنتيجة كانت السيدة زينب (عليها السلام) عالمة غير معلمة، كما كانت حجتها في الكوفة وفي الشام مقابل الأعداء شبيهة باحتجاج أمها السيدة الزهراء (عليها السلام) حيال أرض فدك.

٢. العبادة والتعبد

العبادة هي أسمى مقام يصل إليه الإنسان، وقد كان الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في أعلى مراتب هذا المقام، والسيدة زينب (عليها السلام) كانت تمارس أعلى درجات العبادة والخضوع لله سبحانه وتعالى.

كانت السيدة زينب (عليها السلام) بعلم بدعاء ومناجاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشهدت تعبد علي وفاطمة (سلام الله عليهما). وشهدت دعاء الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في الليل والنهار، وفي النهاية تعبد الإمام الحسين (عليه السلام) ومناجاته بصورة خاصة في ليلة عاشوراء ونهارها، وكل منها كان درساً وأنموذجاً يُقتدى به في العبادة والمناجاة.

 كانت السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) تتعبد أثناء الليل، ولم تترك التهجّد أبداً خلال حياتها. وكانت تجتهد في العبادة إلى درجة أنها لُقبت بلقب “عابدة آل علي”. (١٨) لم تترك السيدة زينب (عليها السلام) إحياء الليل حتى في ليلة عاشوراء وليلة الحادث عشر من محرم. وتقوم فاطمة ابنة الإمام الحسين (عليه السلام): وأما عمتي زينب (عليها السلام) فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة أي العاشرة من المحرم في محرابها تستغيث إلى ربها ، فما هدأت لنا عين ، ولا سكنت لنا رنّة.(١٩)

وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام): إنّ عمّتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من قيام، الفرائض و النوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام، و في بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس. فسألتها عن سبب ذلك؟ فقالت: اصلّي من جلوس لشدّة الجوع و الضعف منذ ثلاث ليال، لأنّها كانت تقسّم ما يصيبها من الطعام على الأطفال، لأنّ القوم كانوا يدفعون لكلّ واحد منّا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم و الليلة.(٢٠)

كانت علاقة السيدة زينب (عليها السلام) بالله سبحانه وتعالى وثيقة إلى درجة أن سيد الشهداء (ليه السلام) قال في يوم عاشوراء وخلال وداعه لأخته:
“يا أختي لا تنسيني في نافلة الليل” (٢١)

٣. الحجاب والعفة

تعد المحافظة على الحجاب والعفاف من اهم واجبات المرأة في الإسلام. ويشير القرآن الكريم إلى ضرورة الحجاب في عدد من الآيات (٢٢) وشدد على العفاف والطهر في أربعة عشر آية،(٢٣) فيما وجهت الكثير من الأحاديث إنذارات قاطعة بهذا الشأن.

كانت عقيلة بني هاشم شبيهة بأمها فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الحجاب والعفاف، وكانت تولي هذا الأمر أهمية كبيرة جداً. فلم يرَ أي رجل أجنبي السيدة زينب (عليها السلام) قبل حادثة عاشوراء ووقوعها في الأسر، ويذكر التاريخ: كلما أرادت زيارة جدها، كانت تفعل ذلك ليلاً، حيث كان يمشي أبوها أمامها وأخواها الحسن والحسين على جانبيها. عندما كانت تصل إلى قبر جدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان علي عليه السلام يطفئ الشموع المضاءة في أطراف القبر. في أحد الأيام سأل الإمام الحسن عليه السلام عن سبب هذا الأمر، فأجابه الإمام عليه السلام: “أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك زينب”.(٢٤)

ينقل “يحيى المازني” أنه عاش مدة طويلة في المدينة في جوار علي عليه السلام. وكان منزله إلى جوار المنزل الذي كانت تسكنه زينب. ينقل أنه لم ير زينب ولم يسمع صوتها ولو لمرة واحدة. (٢٥) حجاب السيدة زينب (عليها السلام وعفتها بلغت درجة أن العلامة المامقاني قال: زينب في الحجاب والهفاف وحيدة. لم يرها أحد من الرجال في عهد أبيها وأخويها حتى يوم عاشوراء.(٢٦)

٤. الصبر والصمود

يرى الإسلام أن للصبر مكانة سامية، ويبشر القرآن الكريم الصابرين. (سورة البقرة: ١٥٥) الصبر بالنسبة إلى الإيمان كالرأس للجسد. وكانت سيدتنا زينب (عليها السلام) أنموذجاً وتجسيداً واضحاً للصبر والمقاومة. من الميزات البارزة التي اتصفت بها هذه السيدة العظيمة، المقاومة والصمود في طريق الدفاع عن حريم الدين والكرامة الإنسانية.

الصبر والظفر صديقان قديمان*** فبالصبر يأتي الظفر.(٢٧)
صبر سيدتنا زينب (عليها السلام) وثباتها أثارا إعجاب الجميع، فقد حلت بها المصيبة منذ أن كانت في الخامسة من عمرها، فتعرضت لفقدان أحبابها الواحد تلو الآخر، ولكن رغم كل هذه المصائب فإنها بقيت منتصبة القائمة والصابرة.

السيدة زينب (عليها السلام) هي رائدة الصبر والاستقامة. لتسليط الضوء على صبر هذه الجوهرة الإلهية العظيمة حلمها أن ذكر أنها عندما وقفت أمام جسد أخيها الحسين (عليه السلام) النوراني المخضب بالدماء، نظرت إلى السماء وقالت:

“اللهم تقبل منا (أهل بيت الرسول) هذا القربان” (٢٨).

قالت سيدتنا زينب (سلام الله عليها) هذه الكلمات عندما فقدت أخاها الإمام الحسين (عليه السلام) وبقية إخوتها وابنيها، مما يعكس قوة إيمانها، ثبات عقيدتها وفنائها في الله سبحانه وتعالى. ([٢٩]) على اثر اهتمام الخمسة الطيبة وتربيتهم للسيدة زينب أصبحت روحها عظيمة إلى درجة أنها صبرت وثبتت إزاء استشهاد أعزاءها ثباتاً لا تصفه الكلمات.

نعم، بكت سيدتنا زينب (عليها السلام) وناحت في بعض المواضع في كربلاء، ولكن بكاء سيدتنا زينب (عليها السلام) كان لسببين:

في بعض الأحيان كانت المصيبة شديدة إلى درجة تتجاوز الحدود مثل استشهاد سيدنا علي الأكبر (عليه السلام)، حيث أن مقامه كان عالياً جداً وكان أشبه الناس خُلقاً وخَلقاً بسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

لذلك كانت مصيبة استشهاد سيدنا علي الأكبر (عليه السلام) ثقيلة وكاسر للظهر إلى درجة تذيب القلوب وتجيش العواطف، ولا خلاف بين البكاء في هذه المصيبة العظيمة وبين مقام الصبر.

الأمر الآخر هو أن بكاء السيدة زينب (عليها السلام) ونواحها في كربلاء وبعد ذلك خلال الرحلة إلى الكوفة والشام، كان يرمي إلى أهداف سامية وينقل رسالتها العظيمة، أي إبلاغ رسالة عاشوراء التي نقلتها عبر طرق مختلفة من الخطب، الكلمات النارية، البكاء المحرق وكذل ذلك من أجل الدفاع عن الثورة الحسينية.

٥. الشجاعة والبطولة

تعد الشجاعة من الصفات البارزة لسيدة كربلاء، ومن دون شك لو انتابت نفس السيدة زينب (عليها السلام) ذرة خوف من حكومة يزيد المستبدة لما سجلت ثورة كربلاء نصراً عظيماً كما حصل.

كانت السيدة زينب (عليها السلام) رائدة الميدان بصفتها هذه.  فكلماتها النارية التي فضحت حكومة الأمويين وخطابتها البليغة في الفرص التي سنحت لها للدفاع  عن النهضة الحسينية وصلابتها منقطعة النظير في الكوفة والشام تعكس جميعاً شجاعتها، “فبرزت زينب، سيدة كربلاء الشجاعة، والخطيبة الفذة لتكون شمساً مشرقة تحمل رسالة دماء الشهداء في جبين الإسلام” (٣٠) فنهال جهادها ودفاعها عن الإسلام والدين الخلود والأبدية.

سجلت سيدتنا زينب في ثورة عاشوراء شجاعة كبيرة. فأنقذت حياة الإمام السجاد (عليه السلام) عدة مرات، ومن جملة ذلك في مجلس ابن زياد، حيث بعد محاجاة سيدنا الإمام السجاد (عليه السلام) لابن زياد، أمر ابن زيادة بقتل الإمام. تعلقت عمته واعتنقته، وقالت: والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه.(٣١) لم تبال أبداً بابن زياد ويزيد بن معاوية رغم أنهما كانا في أقوى مواقفهما، وكان الحرس يقفون حول أهل البيت وقد استلوا سيوفهم بيدهم، إلا أنها ألقت خطباً فضجت يزيد والمحيطين به.

٦. الفصاحة والبلاغة

ورثت بطلة كربلاء الفصاحة والبلاغة عن أبيها وأمها. “فكان كلامها كأنه يجري من على لسان أبيها.”(٣٢) كلامها في الكوفة وفي مجلس يزيد وحوارها مع عبيد الله بن زياد، لم يخلُ من الشبه بخطب أمير المؤمنين، علي (عليه السلام) وخطبة أمها الزهراء (سلام الله عليها) في موضوع أرض فدك.(٣٣) وألقت السيدة زينب (عليها السلام) هذه الخطب بينما كانت تحمل آلاماً كبيرة بالإضافة إلى العطش، الجوع، النعاس وصعوبة الولاية على الأطفال والطريق.

عندما ألقت السيدة زينب (عليها السلام) خطبتها الفصيحة النارية والحماسية في الكوفة، قال الراوي: فوالله لقد رأيت الناس يؤمئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا وافقا إلى جنبي يبكى اخضلت لحيته وهو يقول:

بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسائكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزى.(٣٤)

الاستنتاج

بالإضافة إلى الصفات والفضائل الشخصية التي ورثتها السيدة زينب (عليها السلام) عن أهل بيت الوحي، فقد كان لها دور كبير جداً في إنجاح ثورة عاشوراء. فبعد حادثة عاشوراء تولت رعاية الأسرى والمحافظة على حياة الإمام السجاد (عليه السلام) من المخاطر واستطاعت أن تصل بالثورة الحسينية إلى النصر النهائي متحمل في سبيل ذلك مشقة كبيرة، وفي النهاية وقفت لتلبية رسالتها بقوة وصمود وقامت بدور كبير من أجل إيصال رسالتها ومنعت دين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وثورة كربلاء من أن يتعرضا إلى التحريف.

الهوامش:

 (١)ـ جبران مسعود، الرّائد، ترجمة رضا انزابي، الطبعة ٢، مشهد، العتبة الرضوية المقدسة، ١٩٩٧، ج ١، ص ٩٢٤.

 (٢)ـ السيد كاظم ارفع، السيدة زينب (عليها السلام) السيرة العملية لأهل البيت، طهران، دار نشر قادر، ١٩٩٨، ص٧.

 (٣)ـ باقر شريف القرشي، السيدة زينب، بيروت، دار التعارف، ١٤١٩، ص ٣٠ـ٣١ / حسن الهي، زينب الكبرى عقيلة بني هاشم، طهران، آفرينه، ١٩٩٦، ص ٢٩.

 (٤)ـ جعفر النقدي، زينب الكبرى بنت الإمام، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، ١٩٨٢، ص ٢١ / السيد نور الدين الجزائري، الخصائص الزينبية، ترجمة باقر ناصري، الطبعة الثانية، قم، جمكران، ٢٠٠٠، ص ٦٠.

 (٥)ـ السيد نور الدين الجزائري، الخصائص الزينبية، ترجمة باقر ناصري، الطبعة الثانية، قم، جمكران، ٢٠٠٠، ص ٦٧

– (٦) الشيخ ذبيح اللّه‏ محلاتي، رياحين الشريعة، (طهران، دار الكتب الإسلامية) ج٣، ص٤٦

 (٧)ـ عبداللّه شفيع آبادي، القواعد النفسية للتطور، الطبعة الخامسة، طهران، جهر، ١٩٩٢، ص ٢٣ـ٣١.

(٨)ـ السيد مرتضى حسيني فيروز آبادي، الفضائل الخمسة، دار نشر فيروز آبادي، ١٩٩٥، ج ٣، ص ١٥٠.

 (٩)ـ ذبيح اللّه محلّاتي، رياحين الشريعة، تهران، دار الكتب الإسلامية ، ج ٣، ص ٧٦.

(١٠)ـ احمد بهشتي، النساء المشهورات في القرآن والحديث، طهران، منظمة الدعاية الإسلامية، ١٩٨٩،  ص ٥١.

(١١)ـ جعفر النقدي، زينب الكبرى بنت الإمام، النجف الأشرف، المكتبة الحيدرية، ١٣٦١، ص ٢١ .

(١٢)ـ السيد نورالدين جزائري، السابق

(١٣)ـ محمّد محمّدي اشتهاردي، السيدة زينب شمس الكوثر المشرقة، الطبعة الثالثة، طهران، دار نشر برهان، ٢٠٠٠، ص ٢٢.

(١٤)ـ احمد بهشتي، السابق، ص ٥١.

(١٥)ـ ذبيح اللّه محلّاتي، السابق، ص ٥٧.

(١٦)ـ احمد صادقي اردستاني، البطلة زينب ابنة علي، طهران، مطهر، ١٣٧٢، ص ١٠٠.

(١٧)ـ ذبيح اللّه محلّاتي، السابق، ج ٣، ص ٥٦.

 (١٨)ـ جعفر النقدي، السابق، ص ٦١.

(١٩)ـ احمد صادقي اردستاني، السابق، ص ١٠٦.

(٢٠)ـ ذبيح اللّه محلّاتي، السابق، ج ٣، ص ٦٢.

(٢١)ـ جعفر النقدي، السابق، ص ٦٢.

(٢٢)ـ سورة النور: ٣٠ / سورة الأحزاب: ٣٢، ٣٣ و ٥٩.

(٢٣)ـ سورة النور: ٢، ٣٢، ٢٧، ٢٨، ٣٠، ٣١، ٣٢، ٣٣، ٥٨، ٦٠ / الاحزاب: ٣٢، ٥٩ / القصص: ٢٥.

(٢٤)ـ سيد عبد الحسين دستغيب، حياة السيدة زينب، طهران، كاوه، ص ١٩.

(٢٥)ـ محمّد محمّدي اشتهاردي، السابق، ص ٩٩.

(٢٦)ـ حسن الهي، السابق، ص ٩٩ نقلاً عن: عبداللّه مامقاني، تنقيح المقال في علم الرجال، نجف اشرف، مطبعة المرتضوية، ١٣٥٢، ج ٣، ص ٧٩.

(٢٧)ـ حافظ شيرازي.

 (٢٨)ـ سيد علي نقي فيض الإسلام، سئيزة حرمين (شرح حال زينب)، الطبعة الثانية، طهران، نشر آثار فيض الإسلام، ١٩٨٧، ص ١٨٥.

(٢٩)ـ السابق.

 (٣٠)ـ محمّد محمّدي اشتهاردي، السابق، ص ٨١.

(٣١)ـ محمّد باقر مجلسي، بحار الأنوار، ج ٤٥، ص ١١٧.

(٣٢)ـ احمد بهشتي، السابق، ص ٥١.

(٣٣)ـ السيد كاظم ارفع، السابق، ص ٨٨.

(٣٤)ـ السيد بن طاووس، اللهوف، طهران، دار العالم، ١٩٦٩، ص ١٤٩ / محمّد باقر مجلسي، السابق، ج ٤٥، ص ١١٠.

محتوى مشابه

اترك تعليقا