كيف يمكن لذاك الإله الذي يفرض الصعوبات على عباده أن يعتبر نفسه رحيماً؟

بواسطة Shamkhani
39 الآراء

السؤال

”لديّ هذه الأسئلة.

يقولون أنّ الله رحمنٌ ورحيم، لكنّه ليس كذلك في واقع الأمر.

فالله يفرض الصعوبات على الإنسان منذ بداية خلقته.

يقولون أن هذه كلها اختبارات، ماذا لو لم نرغب في أن يتمّ اختبارنا؟

لو كان الاختبار جيّداً، فلماذا لا يُختبر الله أيضاً؟

نحن البشر لدينا قدرة إدراكية وهذا ما يميّزنا عن سائر المخلوقات. لماذا ينبغي لنا أن ندرك أنّنا سنموت يوماً؟ لماذا ينبغي لنا أن ندرك أنّنا إلى فناء؟

أليست هذه الأمور ظلماً؟

لديّ حاجة لأن أتلقّى الأجوبة على أسئلتي هذه بالمعنى الحقيقي للكلمة لا أن تُقصّ عليّ بعض القصص أو يتمّ تلفيق بعض الأجوبة“

الرّد

سلام عليك يا صديقنا العزيز

حقيقة الأمر هي أنّ الإنسان يشعر بقليل من الخوف عندما يرى أنّك تحكم مسبقاً على الطرف المقابل وتفترض أنّه سيُلفّق لك بعض الأجوبة أو يقصّ عليك بعض القصص. يشعر المرء بالخوف بأن لا تكون لديك أذن صاغية أو الرغبة والوقت اللازم كي تسمع الجواب!

على كلّ حال لقد طرحت أسئلة قيّمة تسائل حولها الكثير من الشعراء والشخصيات العظيمة. وكما يقول الشاعر مولوي:
تنقضي أيّامي ولياليّ بهذه الأفكار

بأن لماذا أنا غافلٌ عن أحوال قلبي؟

من أين أتيت ولماذا أتيت؟

وإلى أين سيؤول بي الحال وأين سيكون وطني؟

۱- بداية، لقد ادّعيت أنّ الله فرض الصعوبات على الإنسان.

تعال لننظر إلى واقع الأمر بدقّة أكبر. ألم تعش أيّ لحظة سعيدة في حياتك؟ ألم يصادف أن عشت ذكرى جميلة في حياتك؟ ألم تضحك أبداً في حياتك بسبب أمرٍ أفرحك؟ ألم تتناول طعاماً لذيذاً في حياتك؟ هل كلامك يدلّ على أنّك ترتدي نظارات معتمة أو هو نتيجة انعدام الدقّة والنسيان أو أنّك تنتظر بشكل طبيعي أن تكون الحياة منحدرة دائماً؟

صديقي! الحياة شبيهة بالطرق العاديّة، فيها صعود نحو الأعلى وانحدار نحو الأسفل، وفيها منعطفات عديدة وما يخرجها من الرّوتين ويضفي عليها الحماس هو هذه المنعطفات والصعود والانحدار. تماماً مثل القطارات في مدينة الملاهي. الأمر مرتبط بكيفيّة تطلّعك إلى الأمور. فمن يسجّل في النادي الرياضي أو من يذهب مع الرّفاق إلى تسلّق الجبال أو يختار القيادة في الطرقات الوعرة يتخلّى عن راحة البال ويلجأ إلى كلّ هذه الصعوبات لكنّه ينظر إليها بعين الترفيه.

٢- ثمّ إنّك قلت أنّ هذا اختبار.

حسناً، قد تكون الصعوبات في بعض الأحيان على شكل اختبار، وفي أحيان أخرى على شكل إجبار تفرضه الحياة، وفي بعض الأحيان ردود فعلنا أو ردود فعل الآخرين. أضرب مثالاً:

ذلك الطفل الذي يشغل نفسه في ليلة الامتحان بمشاهدة مسابقات كرة القدم ثمّ يحصل على نتيجة ضعيفة في امتحانه لا يستطيع أن يتّهم الآخرين بالخيانة، الخداع أو اللجوء إلى الوساطات و..  فعليه في البداية أن يدرك أن هذا ما صنعته يداه.

عندما يملك شعب دولة معيّنة رئيساً مثل ترامب، عليه أن يفكّر بداية بأنّ رئيس البلاد لا يُستورد من الصين، فهذا الشخص هو الذي اخترتموه أنتم بأنفسكم.

فإذا لم تكن راضياً عن مجتمعك (ومن المحتمل أنّه لديك مثل هذه الروحيّة) فهذا ناتج عن سلوك وثقافة شعبك وأنت واحد منهم.

طبعاً هناك أيضاً اختبار. على سبيل المثال الكورونا أو السيول من الاختبارات الجيّدة التي تجعلنا ندرك إن كنت لطيفاً وودوداً مه شعبي؟ هل أتطوّع لكي أساعدهم أو أسارع للذهاب إلى المتاجر وأفرغ محتوياتها كي أملأ ثلاجتي دون أن أكترث لقدرة الآخرين على الحصول على البضائع أو عدم استطاعتهم ذلك. لا تستغرب يا صديقي! فهذا ما حصل اليوم في بعض بلدان العالم.

حكمة الاختبار هي أنّ كلّ من يرغب في أن يتسامى ويتنامى عليه أن يتقبّل بعض العناء. لا يستطيع أيّ أحد أن يذهب إلى الصف الأعلى دون إجراء أيّ اختبار، ولا يحرز أيّ رياضي البطولة دون بذل الجهود وتكبّد العناء، ولا يمكن أن نصبح لاعبي كرة قدم أو رياضيّين أبطال بالجلوس والاكتفاء بمشاهدة مسابقات كرة القدم.

٣-  وفيما يخصّ قضيّة أنّنا نُختبر، فهذا قانون لا يمكن الفرار منه. كلّ واحدٍ منّا يُختبر في هذه الحياة. نحن المسلمين نعتقد بقرآن يقول: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ وكلّ شخصٍ مهما كانت ظروفه (على الأقلّ لكي يعرف نفسه) يجب أن يُختبر ويُمتحن. فلنفرض أنّ أحدهم قيل له إذهب إلى جهنّم. سوف يقول لماذا أذهب وأنا لم أخضع لأيّ اختبار؟ لماذا يذهب ذلك إلى الجنّة دون أن يتكبّد عناء أيّ شيء؟ حسناً، لو كنت مكانه لتوجّب أن أذهب إلى الجنّة، لماذا يجدر بي أن أذهب إلى جهنّم؟ ماذا فعلت لأستحقّ ذلك؟

٤- خلاصة الأمر هي أنّ الهدف من الاختبار والامتحان هو التنامي والتعالي. لكنّ موجوداً مطلقاً (الله) لا يرى أيّ ضرورة لإثبات نفسه إلى مرتبة أعلى منه، ولا يمكن تصوّر أن يخضع لعمليّة ترقٍّ وتعال. بناء على ما تقدّم، فإنّ هذا هو جواب سؤالك: لماذا لا يُختبر الله؟

٥- الاختبار هو في الحقيقة لطف إلهيّ بحق العباد. وعلينا أن نعلم ما الذي سنحصل عليه مقابل العناء الذي نتكبّده.التعالي، والعقاب لأجل أخطائنا، ومعرفة أنفسنا بشكل أفضل، وحتى أجر الآخرة الذي لا يمكن مقارنته بأيّ شيء في هذه الدنيا.  هذه كلها نتائج الاختبارات وردود أفعالنا مقابل الاختبارات.

٦- لقد قلت يا صديقي أنّنا نحن بني الإنسان نتمتّع بالقدرة على الإدراك. وهذا صحيح حتى هذا الحدّ. ثمّ عبّرت عن الموت بالفناء. جيّد جدّاً.

لو افترضنا أنّ الموت يساوي الفناء. ولا مشكلة في ذلك. وقلنا أنّنا سنعيش عشرات الأعوام بسوءها وحُسنها ثمّ نرتاح. سينتهي كلّ شيء في النهاية.

لكنّ الدنيا هي بداية مكان التغيّر والتحوّل. تحوّل المادّة إلى طاقة، تحوّل شكلٍ إلى شكل آخر، تحوّل الموادّ المعدنيّة في قلب التراب إلى نباتات، تحوّل النباتات إلى لحم في جسد الخروف، وتحوّل الخروف إلى لحم في جسد الإنسان.

الولادة والموت كذلك أيضاً. لو كان لدى الجنين لسان وتمكّنا من أن نسأله: هل تعتقد بأنّ خارج هذه الأجواء الضيقة والمظلمة لرحم والدتك والأطعمة المقرفة، يوجد عالم أكبر وجميل وفيه من الإمكانات ما لا تتخيّل وهناك أمٌّ تحبّك، ماذا سيكون جواب الجنين برأيك؟

البقاء في قلب رحم الأمّ وتحمّل الصعاب، إنّما هو أرضيّة لكي يطوي مراحل التكامل ويقترب من مرحلة الولادة وتلك الولادة هي في الحقيقة موتٌ في رحم الأمّ وحياة جديدة في عالم جديد.

صديقي العزيز جدّاً! أوصيك بأن تنمّي معارفك وتستلهما من معارف الإسلام الأصيلة (وغير المزيّفة). لأنّني أعتقد أنّ حلّ العديد من مشاكل البشر الفكريّة (التي جاءت تلقائيّاً بمشاكل سلوكية واجتماعيّة) يكمن في التقيّد بتعاليم إلهنا الرحمن والرحيم.

أسأل الله لك التوفيق والنجاح.


اضغط هنا لقراءة الملف بصيفة كتاب الكتروني PDF
يمكنك قراءة هذا المقال باللغة الانجليزية أو اللغة الأردية

محتوى مشابه

اترك تعليقا