ما هي ضرورة إقامة العزاء للإمام الحسين؟ ما هي فلسفة هذا العزاء؟

بواسطة Shamkhani
69 الآراء

بإمكان الأحداث السابقة في أيّ مجتمع ترك آثار كبيرة في ذلك المجتمع والمجتمعات الأخرى. فإن كان الحدث حدثاً مفيداً وكانت له في زمانه آثار وبركات، تُتيح العودة إليه وإعادة قراءته وإحيائه تحقيق آثار إيجابيّة وبركات كثيرة ويؤدّي نسيانها إلى تلقّي المجتمع البشري خسارات لا تُعوّض؛ لأنّ الأحداث المهمّة التي تقع في تاريخ الشعوب تحمل أثماناً باهظة لأولئك الشعوب، إن كانت أثماناً ماديّة أو أثمان معنويّة؛ تحمل أيضاً أثماناً من قبيل فقدان الشخصيات العظيمة، والآلام والمشقّة والحرمان لأيّ شعب …

لذلك فإنّ الأحداث العظيمة والدروس والتجارب التي ينبغي للإنسان أن يتعلّم منها تشكّل مدّخرات قيّمة بالنسبة لأيّ شعب، بل للبشريّة جمعاء؛ والعقل يحكم بأن تُحفظ هذه المدّخرات ويتمّ العمل على إحيائها والاستفادة منها بشكل مستمرّ.

لا شكّ في أنّ حادثة عاشوراء العظيمة ذات جوانب  متعدّدة، وهي من الأحداث التي تحمّلت البشريّة حينها بسببها أثماناً باهظة، لأنّ الثّمن كان استشهاد الإمام المعصوم والإنسان الكامل وأصحابه الأوفياء وتحمّل عوائلهم وأطفالهم و… الآلام والصعوبات.

من جهة أخرى، هذه الحادثة لم تكن حادثة وواقعة شخصيّة (من أجل المصالح الشخصيّة والفئويّة والعشائريّة)، بل إنّ حادثة كربلاء واستشهاد الحسين بن عليّ (عليه السلام) وأصحاب الأوفياء مدرسة تنطوي على دروس وأهداف وعِبر؛ من قبيل التوحيد، الإمامة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المطالبة بالحقّ، نبذ الظلم، كرامة النّفس، العزّة و…

لإقامة عزاء الإمام الحسين (عليه السلام) فلسفات بناءة وتربويّة عديدة، من بينها:

صون المدرسة والشريعة

إحياء ذكرى وتاريخ النهضة الحسينيّة العظيمة، والتي تُلهم الروح الثوريّة ونبذ الظلم. أي أنّ إحياء نهضة عاشوراء أدّى إلى إبقاء مدرسة القيام والثورة ضدّ الطواغيت حيّاً بشكل دائم وروّج له وأدّى إلى تخريج أفراد يملكون روح الحماسة والإيثار.

الاهتمام بالفضائل وصفات الشخصيات الحكيمة والبارزة والمجتباة السامية

من المحاور التي تمّ التأكيد عليها في آيات عدّة من القرآن الكريم، إحياء ذكرى الرجال الإلهيّين والشخصيّات التاريخيّة البارزة والحكيمة على مرّ التاريخ، والاعتبار من سيرتهم. ففي سورة مريم يقول الله عزّوجل: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [سورة مريم، ٤١] ثمّ يشرح جلّ وعلا تعامله الحازم مع الأصنام وعبدتها. وفي آية أخرى يقول الله عزّوجل: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [سورة مريم، ٥٦ و٥٧] ثمّ يشير بعدها إلى أنبياء شملتهم نعم الله عزّوجل.

وفي سورة أخرى يقول جلّ وعلا: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ* ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [سورة ص، الآيات ٤١-٤٣]

من الواضح عدم تأكيد هذه الآيات ومثيلاتها على الجوانب الشخصيّة والعائليّة والأعمال المعتادة في حياة هؤلاء الشخصيات العظيمة، بل جرى الحديث حول صلاحيّاتهم وفضائلهم الأخلاقيّة ومشاريعهم البنّاءة، وهذا الأمر إنّما يدلّ على ضرورة أن تبقى ذكرى هذه الشخصيّات البارزة والمجتباة في تاريخ البشر حيّة ويتمّ الاهتمام بصفاتهم وسلوكيّاتهم الحسنة. من هنا، نلاحظ أنّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) جهدوا في إحياء ذكرى وأسماء شهداء كربلاء، وبشكل خاصّ سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، بمختلف الأساليب والطّرق.

تعرّف الناس على مسار ومنهجيّة أئمّة الدين

لأنّ هذه المجالس تمثّل أفضل فرصة لشرح سيرة وأهداف أولئك العظام وإنّ الذين يشاركون في مثل هذه المجالس، يملكون أكبر قدر من الجهوزيّة لتلقي مثل هذه المواضيع.

العلاقة العاطفيّة العميقة بين الأمّة والنماذج الصالحة

العزاء علاقة عاطفيّة وثيقة مع المظلوم الثائر واعتراضٌ على الظالم وحسب تعبير الشهيد الأستاذ مرتضى مطهّري: “البكاء على الشهيد مشاركة في ملحمته. أي أنّ التحوّل الروحاني الذي يحصل في جلسات العزاء، يمهّد الأرضيّة للتحوّلات الاجتماعيّة. وفي الحقيقة يمهّد الأرضيّة للمحافظة على أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) وتطبيقها؛ كما قال الإمام الخميني الرّاحل: كلّ ما لدينا من محرّم وعاشوراء. الثورة الإسلاميّة في إيران والدفاع الذي استمرّ ثمانية أعوام وانتهى بالشموخ والانتصار لها علاقة مباشرة مع مجالس العزاء. وطوال التاريخ استطاع الشيعة بمجالس العزاء هذه حفظ هويّتهم الجمعيّة والثبات أمام الظالمين والفاسدين.

تطهير الرّوح وتزكية النّفس

البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) والحزن والاغتمام لمصائبه يوجب التحوّل الداخلي ويتبعه ارتقاء الإنسان الرّوحاني وتتوفّر بعده مقدّمات التقوى واقتراب الإنسان من الله عزّوجل.

إصلاح المجتمع

عندما يتمّ استعراض ظلم وانحرافات ومنكرات أعداء الإسلام في شرح واقعة عاشوراء، وتنكشف الصّورة الحقيقيّة لمدّعي الخلافة الإسلاميّة أمام الملأ، تتّجه أنظار وعقول المخاطبين والمستمعين للانحرافات الموجودة في مجتمعهم، ويهبّون لإصلاح مجتمعهم، وطرد يزيد كلّ زمان وإطاعة حسين الزّمان، ويكتشفون أنّ الظلم والانحرافات والمنكرات لا تنحصر بفترة معيّنة وأنّ المجتمع معرّض في أيّ ومان لمثل هذه الأحداث. بعبارة أخرى، هذه المجالس ترفع من بصيرة ووعي الناس تجاه زمانهم وفي هذه المجالس يدرك الناس مسؤولياتهم.

الوحدة والانسجام داخل الأمّة الإسلاميّة

من بركات إقامة مجالس العزاء والبكاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) الوفيرة، الوحدة والانسجام بين مختلف الفئات الإسلاميّة التي تحصل في ظلّ اجتماع الناس في أيام إقامة مجالس عزاء الإمام الحسين في المساجد والحسينيّة وحلقات اللطم في الشوارع و…

هذه التجمّعات، وهذه الأنّات وهذا اللطم المنسجم، يقرّب بين قلوب الناس ويزيل الأحقاد ويؤدّي إلى اتحاد الأمّة الإسلاميّة وتكوين قوّة عظمى من الجموع المتشتّتة وتضمن الأمّة الإسلاميّة مقابل تغلغل ومحاولات اختراق الأعداء.


download

اضغط هنا لقراءة الملف بصيغة كتاب الكتروني PDF
يمكنك قراءة هذا المقال باللغة الانجليزية أو اللغة الأردية

محتوى مشابه

اترك تعليقا