خلافة الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة

بواسطة Shamkhani
163 الآراء

هل ينكر الإمام عليّ عليه السلام في نهج البلاغة أحقّيته في الخلافة؟

الجواب

من وجهة نظر الشيعة، الخلافة والإمامة تكليف وتنصيبٌ إلهيّ، لكن الإمام عليّ كان يرفض بعد عثمان استلام الخلافة إلى أن الوصل الأمر بالناس إلى الإصرار فكان ردّ الإمام: «دعوني والتمسوا غیري… وأنا لکم وزیراً خیراً لکم مني امیراً وإن ترکتموني فأنا کأحدکم وأسمعکم وأطوعکم” (نهج البلاغة؛ الخطبة ٩٢)

يطرح الوهابيّون هذه الشبهة بأنّه لو كانت الخلافة والإمامة تكليف وتنصيبٌ إلهيّ، فلماذا امتنع الإمام عليّ (عليه السلام) عنها ورفضها؟

ينبغي عند الردّ على هذه الشّبهة الالتفات إلى أنّ قضيّة الإمامة تختلف عن قضيّة الحكومة؛ لأنّ الإمامة منصبٌ إلهيّ؛ لكنّ الحكومة من شؤونات الإمامة؛ إذاً، كلّ من يعيّنه الله في هذا المنصب الرفيع، إمام؛ شاء الناس ذلك أم رفضوا، فإرادة الناس لا دور لها في تعيين الإمام؛ كما أنّه لا دور لها في تعيين النّبي. لكن رفض الإمام للبيعة لا يتنافى مع حقّه في الإمامة؛ لأنّ بيعة الناس (الحكومة)، تحتاج إلى إقبال واستعداد النّاس؛ لكنّ الإمام منصوبٌ من الله جلّ وعلا ولا تحتاج إلى إقبال وجهوزيّة الناس وهي شبيهة بنبوّة الرّسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله).

إثبات كون خليفة الرّسول إلهيّاً:

«وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِکَةِ إنِّي جاعِلٌ فِي الاْرْضِ خَلِیفَة» [البقرة ، الآية ٣٠]

«وَجَعَلْناهُمْ أئِمَّةً یَهْدُونَ بِأمْرِنا» [الأنبیاء، الآية ٧٣]

«عن الزهري أنه أتی بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلی الله (عزّوجلّ) وعرض علیهم نفسه فقال رجل منهم یقال له بیحرة بن فراس قال ابن‌هشام فراس بن عبدالله بن سلمة الخیر بن قشیر بن کعب ابن‌ربیعة بن عامر بن صعصعة: والله لو أنّي أخذت هذا الفتی من قریش لأکلت به العرب ثم قال أرأیت إن نحن بایعناك علی امرك ثم أظهرك الله علی من خالفك أیکون لنا الأمر من بعدك. قال: الأمر إلی الله یضعه حیث یشاء»

ابن‌هشام الحميري، عبدالملك، السیرة النبویة، ط مكتبة محمد علي صبيح وأولاده ج٢، ص ٢٨٩. 

الطبري، محمد بن جریر، تاریخ الأمم والملوك، ج٢، ص٣٥٠.   

ابن‌أثیر الجزري، علي بن محمد، الکامل في التاریخ، ج١، ص٦٨٧.   

وهناك آيات وروايات (أهل السنّة) أخرى تثبت كون الإمامة منصباً إلهيّاً.

من الشبهات الأساسيّة التي يوردها الوهابيّون على هذه الخطبة (الخطبة ٩٢) هي أن لماذا امتنع الإمام (عليه السلام) في بداية خلافته الظاهريّة عن قبول الخلافة؟ رغم أنّكم تعتبرون الإمامة أمراً تنصيبيّاً وتعتبرون مخالفته مخالفة لأمر الله عزّوجل؟

من أسباب عدم قبول الإمام عليّ بالخلافة كانت التطوّرات الخاطئة في زمن الخلفاء:

عدم القبول بالخلافة من قبل الإمام عليّ هو في الحقيقة إشارة إلى الذين ذهبوا إلى الخلفاء الثلاثة قبل أن يأتوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)!

فالإمام عليّ (عليه السلام) يرغب في حقيقة الأمر أن يقول بأنّكم ذهبتم إلى غيري سابقاً، فلتذهبوا الآن إلى غيري أيضاً! لم تأتوا إليّ لحدّ الآن حيث كان ممكناً أن تقوم الخلافة الإسلاميّة بسهولة ويكون الدين في مكانه الصحيح؛ لكنّكم الآن تأتون إليّ وتطلبون خلافتي؟!

لو أنّ مثير الشبهة طالع التطوّرات الخاطئة خلال زمن حكم الخلفاء الثلاثة لما وقع أبداً في مثل هذه الشبهة ولعلم أنّ عدم قبول الخلافة في ذلك اليوم، ليس دليلاً على أنّ إمامة عليّ (عليه السلام) لم تكن منصوصة؛ بل بسبب أنّ ظروف الحكومة الإسلاميّة في ومن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كانت قد تبدّلت بشكل كامل ولم تكن هناك إمكانيّة للقبول بالمنهج العلويّ والعدالة؛ حيث يقول الإمام (عليه السلام) في هذه الخطبة: “فإنّا مستقبلون أمراً له وجوهٌ وألوان.”

هذا الكلام صرّح به الإمام عليّ في وقت كان المجتمع الإسلاميّ يواجه العديد من الأزمات؛ والتطوّرات والتحوّلات التي وقعت في زمان عثمان جعلت الأمّة تواجه صعوبات حقيقيّة؛ لذلك قال عليه السلام: “نحن نواجه أحداثاً عديدة ذات أوجه متعدّدة … فلتعلموا أنّني إن قبلت طلبكم فسوف أتصرّف وفق ما أعلم ولن أنصت لكلام العاتبين وهذا وذاك.”

والإمام (عليه السلام) كان يعلم بحقّ أنّ المسلمين ابتعدوا في زمان الخلفاء وبشكل خاصّ في زمن الخليفة الثالث عن الإسلام القويم. فتقسيم المناصب في الحكومة الإسلاميّة وفق الميول والرغبات والبذل والإنفاق غير العادل المبني على الرّغبات الذي بلغ ذروتها في زمن الخليفة الثالث، وقد عوّدوا النّاس على أنّ من يسعى لتطبيق سنّة النّبي بدقّة سيواجه معارضة شديدة وأثبتت الأحداث التالية (معارضة الناكثين والقاسطين والمارقين) صحّة توقعات الإمام (عليه السلام) بشكل كامل؛ لذلك، عندما أراد النّاس مبايعة الإمام (سلام الله عليه) صرّح محذّراً: “أتركوني لأنّكم لن تطيقوا إقامتي للحقّ والعدالة.”

ويتّضح لنا كلام الإمام عليّ (عليه السلام) هذا بشكل كامل عندما ندرك المكانة التاريخيّة لذلك الزمان ونعلم أنّه بعد قتل عثمان، كان الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا لمبايعة الإمام يحاولون مبايعته بنفس أسلوب مبايعتهم للخلفاء السابقين، والخليفة في مثل هذا الموقع يكتسب شرعيّة خلافته من بيعة الناس ومثل هذا النوع من الخلافة يختلف عن الإمامة الإلهيّة التي صرّح بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عدّة حالات (مثل “يوم الدار” و”غدير خم” و…) وثبت ذلك بحقّ أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)؛ لأنّ المبايعين كانوا يفكّرون في ظلّ هذه الظروف الطارئة بتنصيب الخليفة حصراً، دون أن يلتفتوا إلى الإمامة التي وردت في النصّ الإلهيّ بحقّ الإمام عليّ، بحيث يكون الخيار للإمام (عليه السلام) في قبول ورفض هذا الأمر.

والمجتمع لم يكن مستعدّاً بعد حكم الخلفاء الثلاثة لمثل هذا الأسلوب. كما أنّ أهل مكّة لم يكونوا مستعدّين قبل ثلاثة عشر عام من هجرة الرّسول (صلّى الله عليه وآله) للحكومة الإسلاميّة، فلم يؤسس النّبي (صلوات الله عليه)؟ الحكومة الإسلاميّة في مكّة.

وفي عدّة خطب من نهج البلاغة نرى أنّ الإمام (عليه السلام) يعتبر الإمامة حقّاً مسلّماً به له ولا يرى الآخرين جديرين بها.

١- في الخطبة الثالثة، ينتقد الإمام (عليه السلام) الخلفاء الذين سبقوه بصراحة ويعتبرهم جميعاً غاصبين، كما ينتقد المعارضين في فترة حكمه أيضاً: «اَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ وَاِنَّهُ لَیَعْلَمُ اَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَی یَنْحَدِرُ عَنِّي السَّیْلُ وَلَا یَرْقَی اِلَيَّ الطَّیْر…»

٢- وفي الخطبة ١٤٤ يقول عليه السلام: «اِنَّ الْاَئِمَّةَ مِنْ قُرَیْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم لَا تَصْلُحُ عَلَی سِوَا وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَیْرِهِمْ…»

٣- وفي الرسالة (٣٦) يقول عليه السلام: «… فدَعْ عَنْكَ قُرَیْشاً وَتَرْکَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ وَتَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ وَجِمَاحَهُمْ فِي التِّیهِ فَاِنَّهُمْ قَدْ اَجْمَعُوا عَلَی حَرْبِي کَاِجْمَاعِهِمْ عَلَی حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ (صلی‌الله‌علیه‌و‌آله‌وسلّم) قَبْلِي فَجَزَتْ قُرَیْشاً عَنِّي الْجَوَازِي فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي وَسَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ اُمِّي…»

ويُلاحظ إذعان أمير المؤمنين بحقّ خلافته وإمامته في أماكن أخرى من نهج البلاغة، لكنّنا نكتفي بالإشارة إلى هذه الأمثلة الثلاثة.

لذلك فإنّ سبب عدم قبول الإمام عليّ (عليه السلام) في البداية بمبايعة الناس له بسرعة وإتباعه ذلك بالقول: “فلتختاروا أحداً غيري”، ليس عدم وجود نصّ؛ بل لأنّ الإمام (سلام الله عليه) كان يسعى بهذه التصرّفات الإعراب عن استيائه من الأساليب الخاطئة التي انتهجت في السابق والتحذير من المستقبل المليء بالمنعطفات وتجهيز القوم. من الواضح أنّ بيعة النّاس تزيل عقبات بسط الحكم وتمهّد لتشكيله، لا أن تمنح شرعيّة لحكومة الحاكم الإسلاميّ.


download

اضغط هنا لقراءة الملف بصيغة كتاب الكتروني PDF
يمكنك قراءة هذا المقال باللغة الانجليزية أو اللغة الأردية

محتوى مشابه

اترك تعليقا